الصفحة 33 من 50

والخلاصة فيما نُقل عن محمد بن الحسن من تجويزه بيع المرابحة للآمر بالشراء، أنّه مَدخولٌ من جهتي السَّند والمتن، وهذا ممّا يُضعف الاستشهاد به على تجويزه هذا البيع في صورته المعاصرة، ملزمًا كان الوعد فيه أو غير ملزم.

ثالثًا: محمد بن إدريس الشافعي:

قال ابن المنذر، رحمه الله: «اختلفوا في الرّجل يقول للرّجل: اشترِ سلعة كذا وكذا، حتى أربحك فيها كذا وكذا. فكَرِه ذلك قومٌ، ونهوا عنه ... وكان الشافعي يجيز هذا البيع، إذا كان العقد صحيحًا، لا شرط فيه» [1] . هذا ما فهمه ابن المنذر من مذهب الشافعي في هذه المسألة. ونصُّ كلام الشافعي في المسألة هو:

«وإذا أَرَى الرّجلُ الرّجلَ السّلعةَ، فقال: اشترِ هذه وأُربحُك فيها كذا، فاشتراها الرّجل، فالشِّراء جائز، والذي قال: أُربحك فيها بالخيار: إن شاء أحدث فيها بيعًا، وإن شاء تركه. وهكذا إن قال: اشترِ لي متاعًا وَوَصَفَه له، أو متاعًا، أيّ متاعٍ شئتَ، وأنا أُربحُك فيه. فكلُّ هذا سواءٌ: يجوز البيع الأول، ويكونُ هذا، فيما أعطى من نفسه، بالخيار. وسواءٌ في هذا ما وصفتُ: إن كان قال: أَبتاعُه [2] وأَشتريه منك بنقدٍ، أو دينٍ، يجوزُ البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الآخر، فإنْ جدّداه جاز، وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسَهما الأمر الأوّل فهو مفسوخٌ من قِبَل شيئين: أحدهما: أنّه تبايعاه قبل أن يملكه البائع، والثاني أنّه على مخاطرة أنّك إن اشتريته على كذا أُربحُك فيه كذا» [3] .

وللباحث على كلام الإمام الشافعي هذه الملاحظات:

أولًا: حَكَم الشافعي على عقد الشراء (أي شراء البائع السّلعة) في: الصيغة: «اشترِ هذه وأربحك فيها كذا» ، بالجواز: دلّ على ذلك قوله: «فاشتراها الرّجل فالشِّراء جائز» ، وقوله: «يجوز البيع الأوّل» ، ثمّ خيّر الآمر بالشراء بين أن يُحدِث بيعًا جديدًا أو لا. وقال: «فإنْ جدّداه جاز» . وهذا واضح في أنّ الشافعي يجيز «بيع المرابحة للآمر بالشراء» في جُملَة العَقْدين اللّذين يتركّب منهما: (شراء البائع السلعة، ثم بيعُه إيّاها للآمر بالشراء) .

ولكن هل المراد بهذا الجواز الإباحة أم الكراهة؟

الأرجح أنّه يريد الكراهة؛ لأنّه ذكر المسألة في سياق كلامه عن إجازة العينة (شراء ما باعه نسيئة بأقلّ من ذلك نقدًا) ورجّح أصحابُه أنّه أراد بجواز هذه الصورة من العينة الكراهة، وإن لم ينصّ على ذلك. قال السبكي: «أكثر أصحابنا أطلقوا الجواز في ذلك، ولم يبينوا هل المراد الجواز مع الكراهة أو بدونها، وقد

(1) الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر (6/ 134) .

(2) هكذا هي في المطبوع، ولعلّها: «ابتعْه» بصيغة الأمر، وإلا فهي لغو في الكلام وزيادة تُغني عنها كلمة: «أشتريه» .

(3) الأم، للشافعي (3/ 39)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت