ومنها: أنّ فيه من الحيل ما لا يليق بالإمام القول به: ومن ذلك: حيلة الدّخول بالجارية من غير استبراء [1] ، وفيها مفسدة خلط الأنساب [2] ، وحيلة تضمين المضارب [3] ، وفيها مفسدة قرض جرّ نفعًا، والجمع بين شركة وسلف، وحِيَل إسقاط الشّفعة حتى لو اضطّر المتحيّل إلى الحلف عند القاضي بعدم التدليس [4] ، وغير ذلك.
ومنها: أنّه في إحدى مسائل الكتاب استخدم التعبير بأسماء الأشخاص الافتراضيين كزيد وعمرو عند النحويين. وهذا الأسلوب لا يُعرف عنه [5] .
والاعتراض الثاني على الاستشهاد بما نُقِل عن محمد بن الحسن على تصحيحه بيع المرابحة للآمر بالشراء على فرض صحة نسبته إليه: أنّ الإمام لم يصرّح بأنّ البيع الثاني (المرابحة) هو بيع نسيئة، وكون هذا البيع نسيئةً أمرٌ جوهري في هذه المعاملة لتظهر فيها شبهة الرّبا، ولا شبهة فيها إذا كان بيع المرابحة نقدًا، كما سبق نقلُ إجازة ذلك عن مالك.
فإن قيل: اللفظ المذكور عن الإمام مُطلقٌ في الأمر بالشراء ثم البيع، وتقييده ببيعة النّقد تحكُّم!
فيُقال: بل الأصل في إطلاق البيع والشراء أن يُحمل على النّقد لأنّه الغالب، وحمل الكلام على الغالب والمعتاد هو الأولى في تفسير أقوال المكلّفين.
فإن قيل: لو كان المقصود بالشّراء الثاني النّقد لما احتاج الآمر إلى توسيط المأمور بشراء الدار من مالكها الأصلي، ولاشتراها هو مباشرة من مالكها الأصلي دون مزيد تكلفة.
فيُقال: توسيط المأمور قد يكون لغير غرض التمويل لأَجَل، كالاستفادة من خبرته في الشراء، وقدرته على المماكسة، واكتشاف عيوب السّلعة، أو لأنّ له علاقة بالمالك الأصلي، تجعله يوافق على البيع أو يرخّص له في السّعر، وغير ذلك من مقاصد التوكيل بالشّراء.
(1) كتاب الحيل مع الأصل، للشيباني (9/ 439) .
(2) نقل ابن تيمية عن أبي طالب قال: «سمعت أبا عبد الله [الإمام أحمد] قال له رجلٌ: في"كتاب الحيل"إذا اشترى الرجل أَمَةً فأراد أن يقع بها يعتقها ثم يتزوّجها، فقال أبو عبد الله: بلغني أنّ المهدي اشترى جارية فأعجبته فقيل له أعتقها وتزوّجها، فقال: سبحان الله ما أعجب هذا أبطلوا كتاب الله والسنة جعل الله على الحرائر العدّة من جهة الحمل فليس من امرأة تطلّق أو يموت زوجها إلا تعتد من جهة الحمل، ففرجٌ يُوطأ يشتريه ثم يعتقه على المكان فيتزوجُها فيطؤها. فإن كانت حائلًا كيف يصنع؟ يطؤها رجلٌ اليوم ويطؤها الآخر غدًا! هذا نقضٌ للكتاب والسنة، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض". ولا يُدرى حامل أم لا، سبحان الله ما أسمج هذا» قال ابن تيمية: «وبيان ذلك: أنّا نعلم باضطرار أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، لما نهى عن وطء الحبالى ... أنّ من أكثر المقاصد بالاستبراء أن لا يختلط الماءان ولا يشتبه النّسب. ثم إنّ الشارع بالغ في هذه الصّيانة حتى جعل العدّة ثلاثة قروء وأوجب العدّة على الكبيرة والصغيرة، وإن كان له مقصودٌ آخر غير استبراء الرّحم، فإذا ملك أمةً - يطؤها سيّدُها - وأعتقها عقب ملكها، وتزوجها، ووطئها الليلة، صار الأول قد وطئها البارحة، وهذا قد وطئها الليلة. وباضطرار نعلم أنّ المفسدة التي من أجلها وجب الاستبراء قائمةٌ في هذا الوطء، ومن توقّف في هذا كان في الشّرعيات بمنزلة التوقّف في الضّروريات من العقليات» . الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (6/ 168) ."
(3) كتاب الحيل مع الأصل، للشيباني (9/ 485) .
(4) المرجع السابق (9/ 490) .
(5) الأصل، للشيباني (المقدمة/63) .