الصفحة 5 من 50

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله ومن والاه وبعد:

فبيع المرابحة للآمر بالشِّراء هو أُسّ عمليّات التّمويل التي تقوم بها المصارف"الإسلاميّة"منذ نشأتها بدايةَ الرّبع الأخير من القرن الماضي. وتشير الدّراسات إلى أنّ معظم العوائد التي تجنيها هذه المصارف يرجع إلى هذا البيع [1] ، وتزداد نسبة العوائد التي يتسبَّب فيها هذا البيع إلى أن تبلغ قريبًا من المائة في المائة إذا علمنا أنّ أنواع عقود التّمويل الأخرى التي تجريها هذه المصارف، كالإجارة المنتهية بالتّمليك، والتّورّق المصرفي المباشر والعكسي، والاستصناع، تقوم على هذا البيع في الخطوة الأولى منها. قال المصرفي الشّرعي حسين كامل فهمي: «بمراجعة الأدوات المصرفيّة التي تتعامل بها البنوك الإسلاميّة حاليًّا، سواء كانت في شكل أداة لتمويل عمليّات التورّق المباشر، أو في شكل تورّق عكسي، أو بطاقة ائتمان مقرونة بعمليّات التورّق، أو المرابحة للآمر بالشّراء، أو المشاركة المتناقصة، أو تمويل لعمليّات استصناع، أو إجارة منتهية بالتّمليك، فسنجد أنّ المرحلة الأولى من تنفيذ هذه الصّيغ جميعًا، قائمة على أداة واحدة لا تتغيّر، وهي البيع للآمر بالشِّراء، سواء قام بعمليتي الشّراء والبيع البنك نفسه أو عميله» [2] . وفي ضوء ما سبق يمكن القول بدون كبير مبالغة:

مصارف"إسلاميّة"= مرابحة للآمر بالشّراء+

واعتماد المصارف"الإسلاميّة"على هذا البيع وحدَه، ومركَّبًا مع غيره من العقود، في عمليات التّمويل الائتمانيّة التي تقوم بها، دَفع إليه طبيعة عمل هذه المصارف، الذي هو الوساطة الماليّة لا التّجارة. فالمصرف"الإسلامي"ليس تاجرًا يقوم بما يقوم به التُّجار والباعة من البحث عن السِّلع، وملاحظة رواجها وكسادها، وتوخّي رخص أسعارها والمفاوضةِ فيها، وتوقّع مقدار الربح في بيعها نقدًا ونسيئةً، واقتنائِها ونقلها وتخزينها، وتسويقها والدّعاية لها، وتحمّل مخاطر السّوق وتقلّبِ الأسعار ... الخ، وإنّما لجأ إلى التّعامل بهذه السِّلع لمجرّد الخلاص من التلبُّس المباشر بصّريح الرّبا الذي كان سيلزم المصرفَ لو قام بعمليّة التمويل عن طريق إقراض النّقد مباشرةً دون توسيط هذه السِّلع. وبما أنّه كذلك فحيازة المصرف هذه السّلع وتملُّكه إيّاها لا بدّ أن يكون لأقصر مدّة ممكنة، وبأقلّ المخاطر والخسائر المحتملة، ولا يحصل هذا إلا إذا كان المصرف على ثقة من تصريفه السّلعة قبل القيام بشرائها، وهذا يضطّره إلى أن يعتمد في مجمل عملياته التمويليّة الائتمانيّة، على طلب العميل السّلعة مُقدَّمًا، ووعدِه سلفًا بشرائها بعد تملّك المصرف لها. وهو ما توفّره صيغة المرابحة للآمر بالشّراء بأقلّ المخاطر المحتملة، وبأقلّ جهدٍ ووقتٍ ممكنين.

(1) للوقوف على تفاصيل النِّسب والإحصاءات بالأرقام يُنظر: بيع المرابحة للواعد الملزم بالشراء، لربيع الروبي، ص 51.

(2) التورق الفردي والتورق المصرفي المنظم، لحسين كامل فهمي، ص 20. ويُنظر: مقال الشيخ صالح الحصين رحمه الله: المصارف الإسلامية ما لها وما عليها، ضمن الأعمال الكاملة له جمع وإعداد رائد السمهوري، (1/ 349) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت