فقال عندي حاجتك، وباعها منه، لم أرَ بذلك بأسًا. قال وأحبُّ إليّ أن يمسكها حتى الغد. قال عثمان: فهذا قولٌ حسن» [1] .
وهذه الروايات عن القاسم لا يظهر فيها الترخيص بالمواعدة، وإنّما بأن يكون شراء التاجر السلعة حصل نتيجةً لطلب الزبون لها، ثم إعلامه بوجود السلعة عند توفّرها. وهذا القدر اليسير من الربط بين البيعتين لم يرخّص به غير ابن القاسم وحميد الطويل من فقهاء التابعين، والباقون كرهوه حتى في هذا الحدّ الأدنى.
عن عبد الله بن أحمد بن حنبل «قال: حدثني عبد الأعلى في حديثه عن حمّاد، قال: وكان حميد - يعني الطويل - لا يرى بأسًا أن يقول الرجل للرجل: أنّي أريد متاعًا كذا وكذا، فإذا دفع عندك فأعلمني؛ فإنّي أريد نحوه. ولا تقولنّ: اشترِ كذا وكذا حتى اشتريه منك. فسألت أبي عن ذلك فقال مثل قول حميد، وقال: لا بأس به» [2] .
وهذا الرواية تشير إلى خلاف ما نقله ابن المنذر عن حميدٍ الطويل من أنّه أجاز: اشترِ كذا وكذا حتى أربحك فيه. وإنّما أجاز أن يطلب المشتري أن يُعلمَ بوجود السَّلعة عند البائع إذا حضرت عنده لأنَّه يريدها، وهذا ممّا لا مواعدة فيه ولا مواطأة على الربح، وليس في هذه الرواية، أيضًا، تصريحٌ بأنّ المشتري سيشتري المتاع نسيئة، ممّا يجعلها بعيدة، كلَّ البعد، عمّا عليه بيع المرابحة للآمر بالشراء في صورته المعاصرة.
تعقيبات عامّة على ما ورد عن التابعين في المسألة:
1.يبدو جليًّا أنّ هذا النوع من البيع أعني «البيع للآمر بالشراء» ، أو «بيع المواعدة» ، كان معروفًا لديهم، وأنّهم كانوا يُدخلونه فيما أَطلق عليه بعضهم: المواصفة أو المراوضة.
2.بحسب مجموع الروايات التي أوردتها كتب الآثار تحت باب"المواصفة في البيع"يظهر أنّهم كانوا يطلقونه على بيع ما ليس عند الإنسان، سواءٌ باعه قبل أن يملكه، أو واعد على بيعه قبل أن يملكه. وسواءٌ باعه التاجر بذكر أوصافه، أو أحضره وأراه للمشتري قبل أن يملكه. وعلى هذا فبيع المواصفة عندهم أعمُّ من البيع للآمر بالشراء. وبهذا يظهر عدم دقّة من سوّى بين المعاملتين من المعاصرين [3] .
(1) الاستذكار، لابن عبد البر (6/ 371) . وعثمان بن وكيل لم أجد له ترجمة.
(2) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، ص 280. وإسناده صحيح.
(3) قال الدكتور عبد العظيم أبو زيد، بيع المرابحة للآمر بالشراء، ص 72: «ليس ثمّة ما يحول دون انطباق بيع المواصفة على بيع المرابحة للآمر بالشراء ما دام البائع لا يبيع السلعة في بيع المواصفة إلا بعد شرائها، هذا إذا لاحظنا أنّ بيع المواصفة يخبر فيه المشتري البائع عن السّلعة التي يريد ويصفها له ويحدّدها ... فيمكن اعتبار هذا البيع الذي يُعقد في المصارف الإسلامية بيع مواصفة تمَّ بطريقة المرابحة، ولا مانع من تسميته بيع"مرابحة"أو"مواصفة"ما دام المضمون واحدًا ووجه التسمية حاصلًا، إلا أنّ العرف الحالي جرى بتسميته ببيع المرابحة للآمر بالشّراء» . وممّا يجدر ذكره أن المعاجم اللغوية اقتصرت على تعريف المواصفة بأنها بيع ما ليس عندك، أو أنّها البيع على الصِّفة. وهو قصورٌ لا ينسجم مع ما في الروايات عن التابعين ممّن كرهوا المواصفة. يُنظر مثلا: تهذيب اللغة، للأزهري (12/ 44) ، وأساس البلاغة، للزمخشري (2/ 338) ، وغيرها.