الصفحة 27 من 50

المطلب الثالث: أقوال أئمّة الفقه في بيع المرابحة للشّراء:

نسب ابن المنذر القول بالمنع في هذه المسألة إلى مالك وأحمد وإسحاق، ونسب القول بالجواز إلى الشافعي إذا كان البيع صحيحًا لا شرط فيه.

وممّن ورد عنه الجواز أيضًا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.

وإليك ما ورد في هذا الشأن عن هؤلاء الأئمّة:

أولًا: مالك بن أنس:

بعد أن روى عن موسى بن ميسرة: «أنّه سمع رجلا يسأل سعيد بن المسيّب فقال: إنّي رجل أبيع بالدّين، فقال سعيد: لا تبع إلا ما آويت إلى رحلك» [1] ، قال الإمام مالك: «وإنما فُرِق بين أن لا يبيع الرجل إلا ما عنده، وأن يُسلِف الرَّجل في شيءٍ ليس عنده أصلُه، أنّ صاحب العِينة، إنّما يحمل ذهبه التي يريد أن يبتاع بها، فيقول هذه عشرة دنانير، فما تريد أن أشتري لك بها؟ فكأنّه يبيع عشرة دنانير نقدًا، بخمسة عشر دينارًا إلى أجل، فلهذا كُره هذا. وإنّما تلك الدُّخْلة والدُّلْسة» [2] .

في هذا النّصّ يبين الإمام مالك العلّة عنده في تحريم بيع ما ليس عند الإنسان بأنّه ذريعة إلى الرّبا؛ لأنّ"صاحب العينة" (المرابي في صورة البيع) يحمل دراهمه ويقول لمن احتاج إلى سلعةٍ ما: ماذا تريد أن أشتري لك بهذه الدّراهم؟، فيشتريه بعشرة نقدًا، مثلًا، ويبيعه إلى هذا المحتاج بخمسة عشر نسيئةً، فيكون كأنّه أقرضه عشرة وثبت له في ذمّته خمسةَ عشر. وهذا ربًا وإن كان في صورة بيع؛ لأنّ"صاحب العينة"ليس تاجرًا في الحقيقة، وإنّما هو رجلٌ مليءٌ يريد أن يداين النّاس هذه الدراهم فوسّط السّلعة للوصول إلى هذا الغرض.

وقال «مالك: ومن سأل رجلًا أن يبيع منه شيئًا إلى أجل، فقال: ما عندي، ولكن أشتريه لك. فيراوضه على الرّبح، ثم يبتاعه، ثم يبيعه منه إلى أجل. قال مالك: هذه العينة المكروهة. وكذلك إن قال: ابتع لي سلعة كذا، وأُربحك فيها كذا، إلى أجل كذا، فهو مكروه. فكأنّه دفع ذهبًا في أكثر منها. قال مالك: ولو قال: ما عندي. فذهب عنه، ثم ابتاع هذا ذلك من أجْلِه على غير موعد، ثم لقيه، أو عاد إليه فباعه منه فلا بأس به إن لم يكن غير هذا.

(1) الموطأ، لمالك (4/ 973) . قال الباجي في المنتقى (5/ 70) شارحًا للأثر: «ومعنى ذلك أنّ هذا الرجل قد أقرّ أنّه ممّن يداين النّاس، ويبيع منهم بالدّين فنهاه عن أن يبيع منهم ما لم يملكه بعد، أو ما يشتريه بعد موافقة المبتاع منه على بيعه منه بثمن يتّفقان عليه، فيشتريه من أجل ذلك، وربَّما لم يستتمّ قبضَه من بائعه منه، ويولّي قبضه المبتاع ممّن باعه من هذا السائل؛ لأنّه له اشتراه، فيكون كأنّه أسلفه ثمنه الذي ابتاعه به في ثمنه الذي باعه به منه» .

(2) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت