الصفحة 12 من 50

فإن قيل: المراوضة ليست صفقة؟

فيُقال: بل هي عقدٌ واتّفاق مُلزمٌ قضاءً وديانةً، أو ملزمٌ ديانةً ومروءةً على الأقل، وحتّى لو سُلِّم بأنّ هذه المراوضة غير ملزمةٍ، لا قضاء ولا ديانة ولا مروءة، كما قد يجازف في التزام القول بذلك بعضُهم، فإنّه كما يَحْرُم الجمع بين البيع والسَّلف في عقد واحد لِعلّة الغرر والرّبا أو إحداهما، فكذلك يحرم الجمع بينهما في وعدٍ واحد، لأنّ العلّة حاصلة في الحالين على حدّ سواء الغرر والرّبا أو إحداهما، وهذا من أجلى القياس بنوعيه: قياس العلّة وقياس الشَّبه.

وما يتوجَّه - أيضًا - على هذا التكييف (الوكالة بأجر) من أنّ غرض العميل"الآمر بالشراء"من اللجوء إلى المصرف هو مجرّد التمويل، ينسحب نفسه على التكييفين السّابقين؛ فلولا التمويل بالدّين لما قصد العميل إلى المصرف أبدًا على كلّ الأحوال، وفي كلّ التكييفات، مهمّا تعدَّدت أشكالها. والصّورية في التكييفات المذكورة تظهر في عقد شراء المصرف من التاجر، من حيث ضمان العائد سلفًا، وتجنّب مخاطر السّوق وكساد السّلعة وتقلّب الأسعار، والتخلّص من عناء توخّي رخص السّلعة ورواجها والتربّص بها ونقلها وتخزينها والدّعاية لها، وغير ذلك من الأعمال والأعباء والمخاطرات التي تُسوِّغ الرّبح التّجاري في الجملة، وتجعله يفترق عن الرِّبا، في كونه يُشكّل قيمةً اقتصاديّة مضافة. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم} [النساء: 29] ، فما لا يكون تجارةً حقيقيّة على ما هو المعهود في التّجارة يكون أكلًا لمال الآخرين بالباطل. وقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، وما يكون تبادلًا ومعاوضةً ولا يكون بيعًا حقيقيًّا على ما هو المعهود في البيع يكون ربًا. والله أعلم.

المبحث الثاني

أقوال الفقهاء في بيع المرابحة للآمر بالشّراء وتحقيقها

حكاية المعاصرين في أبحاثهم أقوال الفقهاء القدماء في هذه المسألة لا تخلو من غرابة، فأوّل الخائضين في هذا البيع، وهو الدكتور سامي حمود، لم ينقل خلافًا، ولا قولًا لأحدٍ من أهل العلم، في المسألة سوى قول الشافعي في الأمّ الذي يبدو منه أنّه يجيز هذا البيع في صورته غير الملزمة للواعد بالشراء، ممّا جعل الدكتور يطمئن لصحّة اكتشافه هذا البيع وقولِه به، فقال رحمه الله: «وقد كانت هذه الصّورة من صور الوساطة التي يستطيع المصرف اللاربوي أن يقوم فيها بأعمال الائتمان التّجاري بكلّ أنواعه منافسًا - بكلّ قوّة - سائر البنوك الرّبوية، محلَّ تفكير مَشوبٍ بالخوف إلى أن اطمأنّت النّفس بوجود هذا النّوع من أنواع التعاقد مذكورًا نصًّا على وجه التقريب في كتاب الأمّ للإمام الشافعي» [1] . ثمّ توالت الاكتشافات العِلميّة بعد ذلك على يد الباحثين، فنُقِل القول بإجازتها في صورتها غير الملزمة للواعد بالشراء عن محمد

(1) تطوير الاعمال المصرفية، لسامي حمود، ص 433.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت