الصفحة 13 من 50

بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وعن ابن القيّم الجوزيّة، والقول بمنعها عن ابن عمر، رضي الله عنه، وعن المالكيّة [1] . واستقرّت حكاية الأقوال على هذه الحال حتى اليوم. وبما أنّ الشافعي هو إمام المذهب الشافعي، ومحمد بن الحسن إمامٌ في المذهب الحنفي، وابن القيم فقيهٌ له وزنه في المذهب الحنبلي، فقد توسّع بعض القوم فنسب القول بالجواز فيها إلى الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة، والمنع إلى المالكيّة [2] .

والواقع أنّ القول في هذه المعاملة ورد عن جماعة كثيرة من فقهاء السّلف من التابعين فمن بعدهم، وأنّ جمهورهم على المنع منها بإطلاق، كما إنّه لا تصحّ نسبة القول بإباحتها لا إلى الحنفيّة ولا إلى الحنابلة، وحتى قول الشافعي بإجازتها له توجيه أغفله أكثرُ الكاتبين في المسألة، كما سترى ذلك كلّه من خلال هذا البحث.

ومع أنّ ابن المنذر، رحمه الله، قد نقل الخلاف في هذه المسألة، - كما سأُورده عنه بعد قليل - إلا إنّي لم أجد من المعاصرين من اقتبس حكايته أقوال الفقهاء فيها. كما أنَّ أكثرهم أغفل تصفّح كتب الآثار، كمصنّف عبد الرزاق، ومصنّف ابن أبي شيبة التي أوردت عددًا لا بأس به من الروايات عن فقهاء السّلف في المسألة. والذي يبدو لي السَّبب في كلّ هذا القصور هو أنّ كتب المذاهب الفقهية المتبوعة، ما خلا كتب المالكيّة، لم تتطرّق إلى المسألة أصلًا، فضلًا عن أن تهتمّ بنقل الأقوال فيها. وعليه، فالمسألة كانت حاضرة بقوّة في فقه السّلف لكنّها لم تكن كذلك في فقه المذاهب الفقهية ما خلا فقه المالكيّة الذين أسهبوا في تفصيل المسألة، لكنّهم مع ذلك لم يعتنوا بنقل أقوال الفقهاء فيها. فلعلّ هذا هو السّبب في قصور حكاية المعاصرين الأقوال فيها؛ إذ جُلُّ اعتماد المعاصرين في نقل الأقوال والخلاف على كتب الفقه المشهورة كمجموع النووي، ومغني ابن قدامة، ومحلّى ابن حزم، وما تلاها من كتب أتباع الأئمّة. وهذه الكتب - كما قلت - لم تتطرّق إلى المسألة أصلًا، فضلًا عن أن تذكر أقوال الفقهاء المتقدِّمين فيها.

قال ابن المنذر، رحمه الله:

«اختلفوا في الرجل يقول للرجل: اشتر سلعة كذا وكذا، حتى أُربحك فيها كذا وكذا. فكَرِه ذلك قوم، ونهوا عنه: كره ذلك ابن عمر، وابن المسيّب، وابن سيرين، والحسن، والنَّخَعي، وقتادة، وعُبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق. وكان القاسم بن محمّد، وحُميد الطّويل لا يريان بذلك بأسًا. وكان الشّافعي يجيز هذا البيع، إذا كان العقد صحيحًا، لا شرط فيه. وكان مالك يكره ذلك ولا يفسخ البيع. قال أبو بكر: كما قال مالك أقول» [3] .

(1) يُنظر: فقه النوازل، لبكر أبو زيد، (2/ 83) .

(2) يُنظر: فقه المعاملات المالية المعاصرة، لسعد الخثلان، ص 110. والمعاملات الماليّة أصالة ومعاصرة، لدُبْيان الدُّبيان، (12/ 347) . والمعاملات المالية المعاصرة، لخالد المشيقح، ص 22، والخدمات الاستثمارية في المصارف وأحكامها في الفقه الإسلامي، ليوسف الشبيلي، (2/ 3/292) .

(3) الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر (6/ 134) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت