الدكتور سامي حمود هو أوّل من دعا المصارف إلى استعمال هذا البيع. وقد سبَّب كتابُه «تطوير الأعمال المصرفيّة» انعطافةً حادّة في التّنظير للمصرفيّة الإسلاميّة، وتحوُّلها من الدّعوة إلى الاعتماد على عقود المشاركات، كما في كتابات المؤسِّسين للفكر المصرفي الإسلامي، إلى التركيز على تطبيق عقود المداينات.
بعد استشارته الشيخ فرج السّنهوري، كيَّف الدكتور سامي حمود هذا العقد على أنّه مركّب من عنصرين: وعدٍ بالشّراء من العميل إلى المصرف، وبيعِ مرابحة من المصرف للعميل [1] . ولعلّ الصّواب القول إنّه، على هذا التكييف، يتكوّن من ثلاثة عناصر لا اثنين، وهي:
1.طلب العميل السّلعة من المصرف ووعده بشرائها منه.
2.شراء المصرف السّلعة من التاجر بنقد.
3.بيع المصرف السّلعة إلى العميل مرابحة إلى أجل.
وفيه ثلاثة أطراف: العميل والمصرف والتّاجر. وهو بهذا يتميّز جوهريًّا عن المرابحة البسيطة التي تتكوّن من طرفين فقط: المشتري والبائع. وعليه، فالمرابحة المصرفيّة ليست مواعدة وبيع، كما قال الدكتور سامي حمود، وإنّما هي مواعدة انتظمت بيعتين متسلسلتين لسلعةٍ واحدة.
وكيّفه الدكتور البعلي [2] على أنّه بيعٌ معلّقٌ على شرط: أي: إن اشتريت هذه السّلعة بكذا فقد اشتريتُها منك بكذا. وهذا التكييف، وإن كان يجعل هذا البيع يتجاوز إشكاليّة الوعد ومشروعيّة الإلزام به التي كثر الجدل حولها إلا إنَّه يُوقع في إشكاليّاتٍ أكبر من ذلك، لعلَّ من أهمِّها إشكاليّة عدم مشروعيّة تعليق البيع، فالمذاهب الأربعة، ما خلا بعض الحنابلة، على عدم جواز تعليق البيع على شرط [3] .
وبالنّظر إلى حقيقة هذا العقد، لا إلى مجرّد صورته، يمكن تكييفه على أنّه وكالةٌ بأجر (مع سَلَف) : يقول العميل للمصرف: اشتر لي هذه السّلعة بكذا، ولك أجر كذا، على أن أدفع ما ثبت لك في ذمّتي (الثمن المدفوع والأجر) بعد سنةٍ مثلًا. فالطّلب الذي يقوم به المشتري ما هو إلا توكيل وإن سُمّي طلبًا، ونسبة المرابحة التي جرى التّراوض عليها هي"أجرة الوكالة"وإن سُمِّيت"ربحًا"و"مرابحة"، والمصرف يشتري السّلعة للعميل، ولا يصحّ في هذه الحالة أن يقع شراؤه لنفسه، وإن ادّعى ذلك؛ لأنّ هذا يكذّبه الظاهر والباطن: أمّا الظاهر؛ فلأنّ المصرف اشترى السّلعة لصالح عميلٍ مُعيّن، بناءً على طلبه، وبدلالته عليها، ولولا ذلك لما اشتراها، وأمّا الباطن؛ فلأنَّ نيّة المصرف هي شراء السّلعة للعميل لا لنفسه، وهو لا يمكنه أن يدفع ذلك؛
(1) تطوير الأعمال المصرفية، لسامي حمود ص 432.
(2) فقه المرابحة في التطبيق الاقتصادي المعاصر، لعبد الحميد البعلي، ص 99.
(3) يُنظر: الفقه الإسلامي وأدلته، للزحيلي (5/ 3448) . والموسوعة الفقهية الكويتية (4/ 306) .