الصفحة 31 من 50

والسّبب الثالث: أنّ ثمّة قرائن في مضمون الكتاب تشير إلى أنّه ليس لمحمّد بن الحسن:

منها: أنّه في هذا الكتاب يذكر آراءً تخالف ما عُرف من آراء الإمام في كتبه الأخرى الثابتة عنه. وقد وقفت من ذلك على ثلاثة أمثلة: أحدها: ما قاله برهان الدين بن مازة (ت 616 هـ) : «وإذا اشترى جارية لها زوج ولم يدخل بها فطلّقها قبل أن يقبضها المشتري، فعلى المشتري أن يستبرئها بحيضة، هكذا ذكر في"الأصل"، وفي كتاب"الحيل": إنّه لا استبراء على المشتري» [1] . والمثال الثاني: قال ابن مازة: «الحرّة البالغة العاقلة لو زوّجت نفسها من رجل هو كفء لها، أو ليس بكفء لها، نفذ النكاح في ظاهر رواية أبي حنيفة، رحمه الله، وهو قول أبي يوسف، رحمه الله، آخرًا ... وكان أبو يوسف، رحمه الله، أولًا يقول: يتوقّف النكاح إلى أن يجيزه الولي أو الحاكم، على كل حال. وهو قول محمد، رحمه الله، وصحّ رجوع محمّد إلى قول أبي حنيفة، رحمه الله، وأبي يوسف، رحمه الله، آخرًا، ذكره في كتاب الحيل» [2] . والمثال الثالث: أنّ محمّدًا ذكر في الكتاب حِيلًا في إسقاط الشفعة [3] ، مع أنّ مذهبه في ذلك كراهة هذا الإسقاط: قال السرخسي: «وقد بيّنا في كتاب الشفعة وجوه الحيل لإبطال الشفعة أو لتقليل رغبة الشفيع في الأخذ، وذلك لا بأس به قبل وجوب الشفعة عند أبي يوسف، رحمه الله. وعند محمّد، رحمه الله، هو مكروه أشدّ الكراهة؛ لأنّ الشفعة مشروعة لدفع الضّرر عن الشّفيع فالذي يحتال لإسقاطها بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير، وذلك مكروه» [4] ، والكراهة عند الإمام تُحمل على الحرام غالبًا. قال ابن حجر: عن محمّد بن الحسن «والمكروه عنده إلى الحرام أقرب» [5] .

(1) المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لابن مازة (7/ 32) .

(2) المرجع السابق (3/ 46) .

(3) كتاب الحيل مع الأصل، للشيباني (9/ 490) .

(4) المبسوط، للسرخسي (30/ 240) .

(5) فتح الباري، لابن حجر (12/ 331) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت