الصفحة 30 من 50

من تصنيف محمّد، رحمه الله، وكان يروي عنه ذلك، وهو الأَصحّ» [1] . وما رجّحه السَّرخسي، وإن كان منسجمًا مع مبدأ تقديم المثبِت على النّافي، إلا إنّ فيه نظرًا، لثلاثة أسباب:

أولًا: وهو أقواها: ما رواه أبو جعفر الطحاوي (ثقة) قال: سمعت أحمد بن أبي عمران (ثقة فقيه) يقول: قال محمد بن سماعة (صدوق فقيه) : سمعت محمد بن الحسن يقول: «هذا الكتاب، يعني كتاب الحيل، ليس من كتبنا، إنّما أُلقي فيها، قال ابن أبي عمران: إنّما واضعه إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة» [2] . فهذا نفيٌ للكتاب صادرٌ عن محمّد بن الحسن نفسه، وقولُه ينبغي أن يُقدَّم على كلّ قول سواه. ولولا أن ثمة كتابًا آخر باسم الحيل اشتهر في تلك الفترة منسوبًا لأبي حنيفة أو لأبي يوسف لكانت هذه الرواية قاطعةً لدابر الخلاف في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام، لكن يمكن القول بأنها ظاهرة في النّفي لا قاطعة؛ لاحتمال أنّه يقصد كتابًا آخر غير كتابه، وهو احتمال مرجوح على كلّ حال، لأنّه من المستبعد أن ينفي كتاب الحيل عنه، وعن أصحابه، ثمّ يؤلّف كتابًا باسم الحيل.

والسّبب الثاني: أنّه ليس فيما بين أيدينا ثمّة إسناد يمكن التعويل عليه لإثبات صحّة هذا الكتاب عن محمّد بن الحسن. فالكتاب طبعه المستشرق الألماني جوزيف شاخت في لايبزيغ سنة 1930 م طبعةً مستقلّة باسم المخارج في الحيل. قال عنها الدكتور محمَّد بوينوكالن محقّق كتاب الأصل للشيباني: «ولا يُوجد ذكر للراوي في النّسخ التي اطّلعنا عليها من هذه الصياغة» . وأمّا طبعة الدكتور بوينوكالن نفسه فقد كانت عن «محمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو ساهر قال: أخبرني محمد بن هارون الأنصاري عن محمد بن الحسن» [3] ، وهؤلاء الثلاثة لم يعرفهم المحقّق، وإنّما خمّن شخصياتهم بالظنّ، ولا يُعرف في تلاميذ محمّد راوٍ باسم"محمد بن هارون الأنصاري".

فإن قيل: عموم الحنفيّة ينقلون عن هذا الكتاب، وقد أدرجه السرخسي في مبسوطه، والحاكم الشهيد في كافيه، ويستدلّون بما فيه على المسائل، وينسبونها لمحمّد بن الحسن.

فيُقال: وهناك منهم من نفاه عنه، كأبي سليمان الجوزجاني، وهو ألمع تلاميذ الإمام والمقدّم عليهم جميعًا. ثم إنّ فقهاء الحنفية - في أكثرهم - لم تكن لهم عناية بالروايات والأسانيد، وينسبون إلى أئمتهم ما هبّ ودرج من الروايات والحكايات التي لا يستريب العاقل في وضعها وتكلّفها، بل راجت على كثير منهم نسبة كتاب «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة، وهو على الراجح ليس له [4] .

(1) المبسوط، للسرخسي (30/ 209)

(2) ذكره عن الطحاوي الذهبي في: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، ص 85. وهو موصول عنه عند ابن أبي العوام في فضائل أبي حنيفة وأخباره، ص 365.

(3) الأصل، للشيباني (مقدمة/ 78) .

(4) رواه عنه أبو مطيع البلخي، وهو على إمامته في الفقه، مقدوحٌ في روايته، بل اتّهمه ابن حِبان والذهبي وابن الجوزي بوضع حديث في نفي زيادة الإيمان ونقصانه، على مذهبه في الإرجاء، كما في الكشف الحثيث عمن رُمي بوضع الحديث، لسبط بن العجمي، ص 102. ونسب الذهبي في تاريخ الإسلام (4/ 1097) كتاب الفقه الأكبر إليه، لا لأبي حنيفة، وكذلك فعل اللكنوي. ومن المعاصرين نفى نسبة الكتاب لأبي حنيفة كلّ من بروكلمان وفؤاد سزكين، وقال أحمد أمين: إنّه زيد فيه فقط. وقال الشيخ أبو زهرة (أبو حنيفة، ص 187 - 188) : «إنّ نسبة الفقه الأكبر لأبي حنيفة موضع نظر عند العلماء فلم يتّفقوا على صحّة هذا الكتاب إليه، ولم يدّع أحد الاتّفاق على صحّة هذه النّسبة حتى أشدّ الناس تعصّبًا له» ومما علَّل به ذلك «أنّه قد ذُكرت مسائل في الفقه الأكبر لم يكن الخوض فيها معروفًا في عصر أبي حنيفة، ولا العصر الذي سبقه، فلم نجد فيمن قبله ولا من معاصريه من المصادر التي تحت أيدينا من تصدّى للتفرقة بين الآية والكرامة والاستدراج، ممّا يدفعنا إلى الظنّ بأنّ هذه المسائل قد زيدت في الرسالة في العصور التي خاض العلماء فيها في هذه المسائل، أو أنّ الرسالة كلَّها كُتبت في العصور المتأخّرة متلاقيةً مع آراء الماتريدية والاشاعرة» . وللمزيد يُنظر: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة، لمحمّد الخميس، ص 115، وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت