الصفحة 34 من 50

صرّح الرُّوياني في البحر، وابن أبي عصرون في الانتصار، والنّووي في الروضة بالكراهة في ذلك. ونقله ابن عبد البرّ عن الشافعي. وقال النّووي: إنّ دلائل الكراهة أكثر من أن تُحصى. واستدلَّ له ابن عصرون بأنّ كلّ ما لا يجوز التصريح بشرطه في العقد يُكره قصده» [1] . وقال إمام الحرمين مُبيِّنًا أنّ المتقدِّمين يطلقون الإباحة ويريدون بها الكراهة، وأنّ الفصل بينهما ممّا أحدثه المتأخِّرون: «أطلق كثير من أصحابنا الإباحة في اللعب بالشِّطْرَنجْ، وقال المحقِّقون: إنّه مكروه، وهذا هو الصحيح، ولا آمن أنّ الذين أطلقوا الإباحة أرادوا انتفاء التحريم؛ فإنّ التعرُّض للفصل بين المكروه والمباح ممَّا أحدثه المتأخّرون» [2] .

ثانيًا: الشافعي يفسخ العقد بين الآمر بالشراء والبائع إذا كان على هيئة بيعٍ معلّق على شرط. وذلك كما مثّل له بالقول: «إن اشتريته على كذا أُربحُك فيه كذا» . وهو ما فهمه ابن المنذر من مذهب الشافعي حيث عبَّر عنه بالقول: «وكان الشافعي يجيز هذا البيع، إذا كان العقد صحيحًا، لا شرط فيه» [3] . فالعقد على هذا الشرط «إن اشتريته بكذا» فاسدٌ لسببين ذكرهما الشافعي:

الأول: مخاطرة البيع المعلَّق، وهو ما لا يقبله الشافعي ولا الجمهور.

والسبب الثاني: فيه بيع ما ليس عند الإنسان؛ لأنّ البيع مرابحةً من البائع إلى المشتري حدث في نفس العقد، قبل تملُّك البائع السّلعة، وهذا لا يجوز باتّفاق الفقهاء. ومن هنا نفهم أنّ الشافعي لم يُبطل العقد لأجل كون الوعد صار مُلزمًا، كما فهم ذلك كثيرٌ من المعاصرين، بل لأنّ صيغة الوعد نفسها اندمجت في العقد فأصبح المجموع صيغةَ بيعٍ مُلزِمٍ معلّقٍ على شرط، ومنعقدٍ على سلعةٍ لا يملكها البائع.

ثالثًا: ينبغي أن لا يُؤخذ كلام الشافعي هذا معزولًا عن قاعدته وطريقته في الحكم على العقود. فالشافعي يُجري العقود على ما ظهر في صيغتها عند العقد. وعليه فهو يحكم بجوازها أو صحّتها حتى مع القصد الفاسد الذي لو أظهره العاقدان عند العقد لأفسد العقد، ويحكم بجوازها أو صحّتها أيضًا حتى لو تقدَّمها تواطؤ على شرطٍ لو قُرن هذا الشّرط بالعقد لأفسده. ومثال ذلك: أنّ الشافعي يُبطل عقد النّكاح إذا كان بشرط التأقيت (نكاح المتعة) ، ولكنّه لا يبطل العقد إذا نوى الزوج وعرفت الزوجة من نيته أنه يريد النكاح مدّة شهر مثلا، ولا حتى إذا تواطآ على التأقيت سلفًا قبل إجراء عقد النكاح. وحكمُه هذا على الظاهر لا يعني أنّه يرفع الإثم عن العاقدين، فَصِحّةُ العقد شيء، والإثم شيءٌ آخر، ولا تلازم بينهما عنده. وقد أفصح الشافعي عن طريقته هذه في الحكم على العقود في مواطن كثيرة من كتبه. قال رحمه الله: «أصل ما أذهب إليه أنّ كلّ عقد كان صحيحًا في الظاهر لم أبطله بتهمةٍ، ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزتُه بصحَّة الظاهر، وأكره لهما النّية إذا كانت النّية لو أُظهرت كانت تفسد البيع» [4] . وقال: «إنما أنظر في كلِّ شيء إلى ظاهر العقد فإذا كان صحيحًا أجزته في الحكم، وإن كانت فيه نيّة لو شُرِطت أفسدت العقد لم أفسده بالنّية؛ لأن النّية حديث نفس، وقد وضع الله عن الناس حديث أنفسهم، وكتب عليهم ما قالوا وما

(1) المجموع شرح المهذب، تكملة السبكي (10/ 161) .

(2) نهاية المطلب، لإمام الحرمين (19/ 19) .

(3) الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر (6/ 134) .

(4) الأم، للشافعي (3/ 75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت