عملوا» [1] . وقال: «وليس تفسد البيوع أبدًا، ولا النِّكاح، ولا شيءٌ أبدًا، إلا بالعقد، فإذا عَقَدَ عقدًا صحيحًا لم يفسده شيءٌ تقدَّمه ولا تأخَّر عنه» [2] . وفي هذا السّياق ينبغي أن يُفهم كلام الشافعي، رحمه الله، في إجازته العينة (شراء ما باعه نسيئةً، بأقلَّ نقدًا) ، وفي إجازته نكاح المحلِّل، وبيع العنب ممّن يراه يتّخذه خمرًا، وبيع السّلاح ممّن يراه أنّه يقتل به ظلمًا، وإسقاطه الزكاة عمّن يبادل ماله الزكوي بغيره عند رأس الحول فرارًا من الزكاة مع تصحيحه عقد المبادلة، وغير ذلك من المسائل التي يظهر منها تجويزه الحِيَل التي تتضمَّن القصد إلى التوصّل إلى حرام أو إلى إسقاط حقّ. وذلك لأنّه، رحمه الله، نصّ على كراهة القصد الفاسد في عددٍ من هذه الصّور [3] . وقياسُ ذلك يقتضي تعميم هذه الكراهة على جميع المواطن. وأمّا حملُ الكراهة في كلامه في هذه المواطن على التنزيه دون التحريم، كما جرى عليه أكثر أتباع المذهب، ففيه نظرٌ ظاهر؛ إذ قد أوردنا آنفا أنّ السَّلف الكرام وأئمّة الفقه أكثر ما يطلقون الكراهة على ما يكون محرَّمًا عندهم، وفي خصوص التعبير بلفظ الكراهة عند الإمام الشافعي، قال إمام الحرمين: «إنّه كثيرًا ما يُطلق الكراهية، ويريد التحريم، كما قال:"وأكره استعمال أواني الذهب والفضة"وأراد التَّحريم» [4] .
قال ابن القيّم: «من عرف سيرة الشافعي، وفضله، ومكانه من الإسلام، علم أنّه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدّلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها. وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخِّرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم، تلقّوها عن المشرقيّين، وأدخلوها في مذهبه، وإن كان، رحمه الله تعالى، يُجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيّته، كما تقدّم حكايةُ كلامه، فحاشاه ثمّ حاشاه أن يأمر النّاس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا حقيقة له، بل ما يُتيقّن أنَّ باطنه خلاف ظاهره. ولا يُظَنّ بمن دون الشافعي من أهل العلم والدّين أنّه يأمر، أو يبيح ذلك؛ فالفرق ظاهرٌ بين أن لا يَعتبر القصد في العقد ويجريه على ظاهره، وبين أن يُسوِّغ عقدًا قد عُلِم بناؤه على المكر والخداع، وقد عُلم أنّ باطنه خلاف ظاهره. فوالله ما سوّغ الشافعي، ولا إمام من الأئمّة، هذا العقد قطّ، ومن نسب ذلك إليه فَهُمْ خصماؤه عند الله ... وهكذا في مسألة العينة: إنّما جوَّز الشافعي أن يبيع السّلعة ممّن اشتراها منه جريًا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع، ولو قيل للشافعي: إنّ المتعاقدَيْن قد تواطآ على ألفٍ بألف ومائتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السِّلعة مُحلِّلًا للرّبا لم يجوِّز ذلك، ولأنكره غاية الإنكار» [5] .
وقال ابن حجر العسقلاني بعد أن أورد ملخَّصًا لكلام ابن القيم: «والتّحقيق أنّه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانُه في ظاهر الحكم، فالشّافعيّة يجوِّزون العقود على ظاهرها ويقولون مع ذلك: إنّ من عمل
(1) الأم، للشافعي (4/ 248)
(2) الأم، للشافعي (3/ 39)
(3) كقوله في مبادلة المال فرارًا من الزكاة: «وكذلك إن بادل بالتي ملك آخر قبل الحول إلى ماشية أخرى لم يكن عليه فيها زكاة، وأكره هذا له إن كان فرارا من الصدقة، ولا يوجب الفرارُ الصدقة إنما يوجبها الحول، والملك» . الأم، للشافعي (2/ 26) . وقوله في بيع العنب لمن يتخذه خمرا والسيف لمن يقتل به: «أكره بيع العصير ممّن يعصر الخمر، والسيف ممن يعصي الله به، ولا أنقض البيع» مختصر المزني، الأم (8/ 182) .
(4) نهاية المطلب، لإمام الحرمين (19/ 20) .
(5) إعلام الموقعين، لابن القيم (3/ 218) .