الحِيَل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله، والله أعلم» [1] . وقال الشاطبي: «لا يصحّ أن يقول الشافعي: إنّه يجوز التذرُّع إلى الرِّبا بحال، إلا إنَّه لا يَتّهم من لم يظهر منه قصدٌ إلى الممنوع، ومالكٌ يتّهم بسبب ظهور فعل اللّغو، وهو دالٌّ على القصد إلى الممنوع» [2] .
وقال الشيخ المعلمي اليماني في كلام الشافعي في إجازة العينة: «السّياق صريحٌ في أنّ كلام الشافعي، رحمه الله، خاصٌّ بما إذا لم تقع بينهما مواطأة، ولا قامت دلالة ظاهرة على قصد الاحتيال، وصورة ذلك مثلًا أن يَعْمِد رجلٌ فيشتري ثوبًا بعشرة دراهم إلى أجل، ثمّ يتفرّقان، ثمّ يعود المشتري إلى البائع، فيعرض عليه الثوب بتسعة دراهم نقدًا، فيشتريه منه. فالشافعي، رحمه الله تعالى، يقول: لا وجه لاتّهام المشتري الأول بأنّه إنّما اشترى توصلًا إلى الأخذ بالرّبا، وهناك ما يُبعِد اتّهامه، وهو أنّ المعروف من حال الإنسان أنّه لا يرضى بضياع ماله، وإذا اتّهمنا هذا الرجل بالنّية المذكورة كنّا قد اتّهمناه بأنّه أراد من أوّل الأمر ضياع درهم من ماله، فالأَولى أن يُحمل على أنّه اشترى الثوب رغبةً فيه، ثمّ عرضتْ له حاجة، أو اطّلع على غبن، فعاد فباعه» [3] .
وخلاصةُ القول في رأي الإمام الشافعي في بيع المرابحة للآمر بالشراء أنّ الشافعي يُصحّحه؛ لأنّه لا يعتدّ بالمواعدة التي سبقت العقد، ولا يرى لها أثرًا في صحّته وفساده أو في الإلزام به. وقياس المذهب أنْ يكون هذا البيع مكروهًا عندهم - على الأقلّ - كبيع العينة؛ لأنّ المواعدة لو دُمِجت في العقد على هيئة شرط لفسد العقد [4] ، والشافعي يكره ما يضمره المتعاقدان بحيث لو أظهراه لفسد العقد. والأرجح في النّظر، والله أعلم، أنّ تصحيح الشافعي وإجازته مثل هذه العقود والتصرّفات إنّما هو في الحكم على ظاهرها فحسب بحيث لو وقعت لم يفسخها، وليس هذا حكمًا منه على باطنها، بل باطنها مكروه عنده، كما صرّح به هو في غير ما موضع. والظاهر في تفسير الكراهة لديه هو التحريم لا التنزيه. وهذا التوجيه لرأيه ومذهبه هو خلاف ما عليه أتباع المذهب، إلا قليلًا منهم، من حملهم قوله بالكراهة في هذه العقود على مجرّد التنزيه.
وعليه، فالفرق بين الشافعي ومالك في المرابحة للآمر بالشراء والعينة، هو أنّ مالكًا يكره هذه العقود ويحكم ببطلانها ولزوم فسخها حتى لو لم يظهر القصد الفاسد فيها (كالعينة التي لا تشتمل على مواطأة) سدًّا لذريعة الربا، والشافعي لا يحكم ببطلانها أبدًا إلا إذا اقترن سبب الفساد بصيغة العقد ظاهرًا، ومع
(1) فتح الباري، لابن حجر (12/ 337) .
(2) الموافقات، للشاطبي (5/ 185) .
(3) آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (18/ 312) .
(4) من الأمثلة الحسنة على عدم تأثير المواعدة عند الشافعي على العقد إذا تقدّمته أو تأخّرت عنه، وعلى إبطالها إيّاه إذا دُمجت فيه على هيئة شرط، رأيُه فيمن اشترى طعامًا إلى شهر على أنّه إن تيسّر له الثّمن قبل ذلك دفعه قبل انتهاء الشهر. قال رحمه الله: «وإذا اشترى الرجل من الرجل طعامًا بدينار على أنّ الدينار عليه إلى شهر إلا أن يبيع الطعام قبل ذلك فيعطيه ما باع من الطعام، فلا خير فيه؛ لأنّه إلى أجلٍ غير معلوم، ولو باعه إلى شهر ولم يشرط في العقد شيئًا أكثر من ذلك، ثمّ قال له: إن بعتُه أعطيتُك قبل الشّهر، كان جائزًا وكان موعدًا، إن شاء وفّى له، وإن شاء لم يفِ له؛ لأنّه لا يفسد حتى يكون في العقد» . الأمّ، للشافعي (3/ 39) .