سبق بيان مقصودهم بهذا الاصطلاح، بما لا يدع مجالًا للريب، في شمول المواصفة لصورة التواطؤ على بيع ما لا يملكه البائع في الحال بعد أن يملكه بناءً على طلب المشتري.
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل «قال: حدثني عبد الأعلى في حديثه عن حمّاد، قال: وكان حميد - يعني الطويل - لا يرى بأسًا أن يقول الرجل للرجل: أني أريد متاعًا كذا وكذا فإذا دفع عندك فأعلمني؛ فإنّي أريد نحوه. ولا تقولنّ: اشترِ كذا وكذا حتى اشتريه منك. فسألت أبي عن ذلك فقال مثل قول حميد، وقال: لا بأس به» [1] .
وهذه الرواية تفيد أنّ أحمد يوافق حميدًا في النّهي عن: «اشتر كذا وكذا حتى أشتريه منك» ، وهي ما يتضمّن المواعدة على الشراء. ومع ذلك هو يجيز إعلام المشتري البائع بأنه يريد سلعةً ما ليست عنده ثمّ إعلام البائع المشتري بأنّها أصبحت عنده. وهو ما كرهه مالك وأكثر السّلف كما سبق توضيحه.
وقال إسحاق: «قلتُ: العينة وأيّ شيءٍ هي؟ قال: البيع النّسيئة، قال: إذا كان يبيع بنقد وبنسيئة فلا بأس، وأمّا رجل لا يبيع إلا بنسيئة فهذا مِمّا أكرهه» [2] . قال ابن عقيل: «إنّما كره النّسيئة لمضارعتها الرّبا، فإنّ الغالب أنّ البائع بنسيئة يقصد الزّيادة بالأجل. ويجوز أن تكون العينة اسمًا لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعًا، لكن البيع بنسيئة ليس بمحرّم اتّفاقًا، ولا يُكره إلا أن لا يكون له تجارةٌ غيره» [3] .
وهذه الرواية عن أحمد بيّنت صورةً مغفولًا عنها من صور العينة، وهي اقتصار البائع على ممارسة نوعٍ واحدٍ من البيع، هو البيع نسيئة. وهي وإن لم تكن ذات علاقة مباشرة ببيان موقفه من بيع المرابحة للآمر بالشراء إلا إنّها بالنّظر إلى اشتمال بيع المرابحة للآمر بالشّراء على عنصر"البيع نسيئة"عنصرًا جوهريًّا فيه من ناحية تطبيقيّة هذه الأيام، وبالنّظر إلى أنّ المصارف التي تُجري هذا البيع لا تبيع إلا نسيئة، فإنها تُلقي ضوءًا على ما يمكن أن يكون موقف الإمام أحمد من هذا البيع جملةً، ومِمّن يُجريه من المصارف المعاصرة. وفي هذا التفسير للعينة - أو لصورة هامّة من صورها - يلتقي الإمام أحمد إلى حدٍّ بعيد مع اللغويين الذين فسّروا العينة بالسّلَف [4] ، وينبّه على استخدامٍ لهذا المصطلح في لغة السّلف الكرام بمعنى البيع نسيئة [5] .
(1) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، ص 280. وإسناده إلى حُميد صحيح.
(2) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (6/ 2588) .
(3) المغني، لابن قدامة (4/ 133) .
(4) جاء في الصّحاح، للجوهري (6/ 2172) : «والعِينةُ بالكسر: السَّلَفُ. واعْتانَ الرجل، إذا اشترى الشيء بنسيئة» . وفي معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (4/ 204) : «قال الخليل: العِينة: السَّلف، يُقال تعيَّن فلان من فلان عِينة، وعَيَّنه تعيينًا. قال الخليل: واشتُقّت من عين الميزان، وهي زيادته. وهذا الذي ذكره الخليل صحيح؛ لأنّ العينة لا بدّ أن تجرّ زيادة» . وفي الفائق في غريب الحديث، للزمخشري (2/ 108) : «تَزرنق الرجل إِذا تَعيَّن. ومعناها الْإخفاء، لأنّ المسلِف يدسّ الزِّيادة تحت البيع ويخفيها» .
(5) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (4/ 452) ، بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن رفيع (وهو ثقة) ، قال: سُئل ابن سيرين عن العينة، قال: «كان الرجل يخرج ساعة إلى السّوق فيبيع بالنقد ويبيع بالنسيئة» ، وعن إبراهيم النخعي: قال في الرهن في العينة: «توفي النبي، عليه السلام، ودرعه مرهونة» .