الصفحة 39 من 50

ولعلّ الإمام أحمد يقترب جدًّا في رأيه هذا في الذين يتخصَّصون بالبيع نسيئة، من رأي الإمام مالك، والمالكيّة عمومًا، في الذين يسمّونهم بـ «أصحاب العينة» ، أو «أهل العينة» الذين هم، كما قال الشيخ الدّردير: «قومٌ نصبوا أنفسهم لطلب شراء السّلع منهم وليست عندهم، فيذهبون إلى التّجار ليشتروها بثمن ليبيعوها للطالب، وسواءٌ باعها لطالبها بثمنٍ حالّ، أو مؤجّل، أو بعضه حالّ، وبعضه مؤجّل» [1] .

وبهذا ندرك مدى دقّة كلام ابن تيميّة، رحمه الله، عندما قال، بعد مَدْحِه أصول مالك في البيوعات: «والإمام أحمد موافقٌ لمالكٍ في ذلك في الأغلب، يُحرّمان الرِّبا ويشدِّدان فيه حقّ التَّشديد؛ لِمَا تقدَّم من شدّة تحريمه وعِظَم مفسدته، ويمنعان الاحتيال عليه بكلّ طريق حتى قد يمنعا الذّريعة التي تُفضي إليه، وإن لم تكن حيلةً، وإن كان مالك يبالغ في سدّ الذرائع ما يختلف [2] قول أحمد فيه، أو لا يقوله، لكن يوافقه بلا خلافٍ منه على منع الحيل كلِّها» [3] .

والخلاصة هي أنّ موقف الإمام أحمد، رحمه الله، يقترب جدًّا من مواقف المانعين من بيع المرابحة للآمر بالشراء من السّلف الكرام الذين منعوا من المواصفة والمراوضة. ومع ذلك، فإنّه - في روايةٍ - رخّص فيما يكون من هذا البيع من دون مواعدة ولا مراوضة على الرّبح، على أنّه يكره من البائع، في الجملة، أن يكون بيعُه مقتصِرًا على البيع نسيئة.

المطلب الرابع: أقوال أتباع المذاهب الفقهيّة في بيع المرابحة للآمر بالشراء:

أشرت سابقًا في هذا البحث إلى أنّه رغم الحضور الواضح للكلام في حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء في كلام الأئمّة والفقهاء المتقدّمين إلا إنّه يغيب تمامًا عن الكتب الفقهيّة المذهبيّة ما خلا كتب المالكيّة الذين وسّعوا القول فيه. وأمّا ما عدا المالكية، فليس له ذكرٌ - فيما بدا لي، وكما يظهر من صنيع كثير من الباحثين - إلا في موضعين:

أحدهما: في شرح كتاب الحيل من المبسوط للسرخسي [4] ، وهو نفسه كلام محمد بن الحسن الذي أشبعنا الكلام فيه سالفًا. فالمبسوط ما هو إلا شرحٌ لكتب محمد بن الحسن، ولذلك لا كبير قيمة لهذا الذّكر.

(1) الشرح الصغير، للدردير (3/ 129) .

(2) وفي بعض النسخ: ما لا يختلف.

(3) القواعد الفقهيّة النّورانية، لابن تيمية، ص 173.

(4) المبسوط، للسّرخسي (30/ 237) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت