والآخر: في إعلام الموقِّعين لابن القيّم، في ضمن تعداده الحِيَل الجائزة [1] ، وهو قريبٌ جدًا من المنقول أيضًا عن محمّد بن الحسن، وقد صرّح ابن القيّم في موطنٍ آخر من كتابه، بالنَّقل من كتاب الحيل المنسوب لمحمد بن الحسن [2] ، والغالب أنّه نقل هذه الحيلة منه أيضًا.
ولا نستطيع الجزم بأنّ ابن القيّم، بناءً على هذا النّقل - غير الثابت عن صاحبه الأصلي - يجيز بيع المرابحة للآمر بالشّراء في صورته المعاصرة، لثلاثة أسباب:
أحدها: وهو نفس الاعتراض الذي أوردناه على الاستشهاد بالكلام المنسوب إلى محمّد بن الحسن، وهو أنّ الكلام المذكور ليس فيه تصريحٌ بكون البيع الثاني (من المأمور إلى الآمر بالشراء) بيعَ نسيئة. وإذا انعدم التأجيل انتفى الرّبا، وانتفت شبهته بالكلّية. نعم الإطلاق في النّص يحتمل النّسيئة، لكنْ فرقٌ كبير في قوّة الدلالة بين النّصّ على الشيء باسمه، وبين اندراجه في إطلاق أو عموم، ولا سيّما أنّ الأصل في إطلاق البيع إنّما هو على الحاضر، ولا يتبادر منه النّسيئة في الغالب إلا بالنّصّ عليه. فأكثر الظنّ أنّ ابن القيّم لم يكن يقصد في هذه الحيلة أنّ البيع الثاني من نوع النّسيئة.
والسبب الثاني: أنّ الكلام المستشهَد به ليس مسوقًا بالأصالة لبيان مشروعيّة هذا البيع، وإنّما لبيان الحيلة في تلافي مضرةٍ قد تترتب عليه، وفَهْمُ جواز هذا البيع من ذلك الكلام إنّما كان تبعًا ولزومًا. وهذا يزيد دلالة هذا الكلام على حلّ هذا البيع عند من قاله ضعفًا على ضعف، فهي أولًا دلالة إطلاق، وثانيًا دلالة تبعيّة لا أصليّة.
والسبب الثالث: أنّ ابن القيّم يُدخل في صور العينة"البيع نسيئة"إذا كان البائع لا يبيع إلا نسيئة، وهو الرأي الذي نقلناه عن الإمام أحمد سابقًا. قال ابن القيم، رحمه الله: «وللعينة صورةٌ رابعة، وهي أُخت صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة. ونصّ أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باع بنسيئة ونقدٍ فلا بأس» [3] . وهذا يستلزم أنّه لا يجيز المرابحة للآمر بالشّراء في صورتها المعاصرة؛ لأنّ البيع نسيئةً ركنٌ ركين فيها، فالمصرف لا يقتني السّلع ولا يتّجر فيها وإنما يتربح من بيعها بالدّين.
وعزا الشيخ دُبْيان الدُّبْيان المنع من بيع المرابحة للآمر بالشّراء إلى ابن تيميّة، بناءً على ظاهر كلامه في مسألة التورّق [4] ، ولعلَّه يقصد بذلك مثل قوله: «وأمّا اشتراط الرّبح قبل أن يشتري البضاعة في مثل هذا، فلأنّ مقصودهما دراهم بدراهم إلى أجل. وأمّا إذا كان المشتري يشتري السلعة؛ لينتفع بها أو يتّجر فيها،
(1) وهذا نصّ كلامه: «رجل قال لغيره:"اشتر هذه الدار - أو هذه السلعة من فلان - بكذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا"، فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها، ولا يتمكن من الرد، فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت، فإن أخذها منه، وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار، فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارًا أنقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع؛ ليتّسع له زمن الردّ إن ردت عليه» . إعلام الموقعين (4/ 23) .
(2) انظر: مثلا: المثال السابع والخمسون، إعلام الموقعين (3/ 297) .
(3) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (9/ 250) .
(4) المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، لدُبْيان الدُّبيان (12/ 347) .