الصفحة 41 من 50

لا ليبيعها في الحال ويأخذ ثمنها، فهذا جائز» [1] . والصَّواب أنّ كلامه هذا في المتورِّق، وحملُه على البائع للواعد بالشراء، أو تنزيل ألفاظه عليه، فيه تكلٌّفٌ ظاهر، بل قد يعود بنقيض المقصود. ومع هذا، فلازم كلام ابن تيمية في تحريم التورّق، وفي إبطال الحيل الربوية جملةً، تحريمُه البيع مرابحة للآمر بالشراء، وذلك لأنّه، رحمه الله، بنى تحريم العينة (شراء ما باعه نسيئة بأقلَّ من ذلك نقدًا) على أنّه يحصل عنها - إذا كانت عن تواطؤ أو عادة - نفس ما يحصل عن الرِّبا من إضرار بالفقراء، ومنعٍ لبذل المال لهم على وجه المعروف، بالصَّدقة والقرض الحسن. وهذا كلُّه - وغيرُه من المفاسد - يحصل عن بيع المرابحة للآمر بالشّراء، ومشتقاته من أدوات التمويل بالدّين، تمامًا كما يحصل عن الرِّبا. قال رحمه الله: «انّ الشارع حرَّم الرِّبا لما فيه من أخذ فضلٍ على ماله مع بقاء ماله في المعنى، فيكون أكلًا للمال بالباطل، كأخذه بالقمار. وهو يسدُّ طريق المعروف والإحسان إلى النّاس؛ فإنّه متى جُوِّز لصاحب المال الرِّبا لم يكن أحدٌ يفعل معروفًا من قرضٍ ونحوه إذا أمكنه أن يُبذَل له كما يَبذُل القروض مع أخذ فضلٍ له؛ ولهذا قال سبحانه: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] فجعل الرّبا نقيض الصّدقة ... فكما أنّ الشارع أوجب الصّدقة التي فيها الإعطاء للمحتاجين حَرَّم الرِّبا الذي فيه أخذ المال من المحتاجين؛ لأنّه، سبحانه، علم أنّ صلاح الخلق في أنّ الغنيّ يُؤخذ منه ما يُعطى للفقير، وأنّ الفقير لا يُؤخذ منه ما يُعطى للغنيّ. ثمّ رأيتُ هذا المعنى مأثورًا عن علي بن موسى الرِّضى، رضي الله عنه، وعن آبائه: أنّه سُئل لِمَ حرّم الله الرِّبا؟ فقال: لِئلا يتمانع النَّاس المعروف، فهذا في الجملة ينبِّه على بعض علِل الرّبا ... ومعلوم أنّ الله، سبحانه، إنما حرَّم الرِّبا وعظَّمه زجرًا للنّفوس عمّا تطلبه من أكل المال بالباطل، فإذا كانت هذه الحيلة [أي العينة] يحصل معها غرض النّفوس من الرِّبا عُلم قطعًا أنّ مفسدة الرِّبا موجودةٌ فيها فتكون محرّمة» [2] .

وأمّا المالكيّة فكلامهم في هذه المسألة كثير، وملخّصه ما قاله ابن رشد الجدّ، رحمه الله:

«العينة على ثلاثة أوجه: جائزة، ومكروهة، ومحظورة؛ فالجائزة أن يأتي الرجل إلى الرجل منهم فيقول له: أعندك سلعة كذا وكذا تبيعها منّي بدين؟ فيقول: لا، فيذهب عنه فيبتاع المسئول تلك السّلعة، ثم يلقاه فيقول له: عندي ما سألت فيبيع ذلك منه. والمكروهة: أن يقول له: عندك كذا وكذا تبيعه منّي بدين؟ فيقول: لا، فيقول له: أتبيع ذلك وأنا أبتاعه منك بدين وأربحك فيه، فيشتري ذلك ثم يبيعه منه على ما تواعدا عليه، والمحظورة: أن يقول الرجل للرجل: اشتر سلعة كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتريها منك بكذا وكذا» [3] .

وفي وجه منع هذا البيع قال القاضي عبد الوهاب:

«العينة، وهي أن يقول الرجل للرجل: ابتع لي هذه السلعة بعشرة دنانير وأنا أربحك دينارًا، فيفعل ذلك فيحصل منه قرض عشرة بأحد عشر من غير حاجة البائع إلى السّلعة، وإنما تذرّع بها إلى قرض الذَّهب بأكثر منها. وإذا وجدنا فعلًا من الأفعال يقع على وجهٍ واحد لا يختلف إلا بالنيّة من فاعله، وظاهرُه واحد،

(1) جامع المسائل، لابن تيمية (1/ 226) .

(2) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (6/ 169) .

(3) البيان والتحصيل، لابن رشد (7/ 86) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت