ولم يكن لنا طريق إلى تمييز مقاصد الناس، ولا إلى تفصيل أغراضهم، وجب حسْمُ الباب وقطع التطرّق إليه، فهذا وجه بنائها على الذريعة» [1] .
وهذا التفصيل منهم والتعليل ينسجم تمامًا مع ما نقلناه سابقًا عن إمام المذهب. وهو واضحٌ في أنّ بيع المرابحة للآمر بالشّراء، في صورته المعاصرة، يندرج عندهم تحت العينة الحرام التي هي طريقٌ إلى الرّبا.
وأودّ أن أُشير هنا إلى خطأين وقع فيهما بعض المعاصرين في تفسير موقف المالكيّة من هذا البيع:
أحدهما: أنّ بعضهم، كأنّه أخذ من كلام خليل في مختصره: «جاز لمطلوبٍ منه سلعةٌ: أن يشتريها ليبيعها بمالٍ ولو بمؤجَّل بعضه» [2] ، ومن كلام الباجي في وجه إدخال الإمام مالك صيغة المرابحة للآمر بالشراء تحت باب بيعتين في بيعة [3] : أنّ المالكيّة إنّما يمنعون هذا البيع عندما تكون المواعدة فيه مُلزمةً فقط، وأمّا إن لم تكن كذلك فلا [4] . وهذا ليس بصواب، بل يمنعونها إذا كان فيها مراوضة وتواطؤ وتسميةٌ للرّبح، أي إذا كان هناك اتّفاق محدّد التفاصيل، ويكرهونها إذا لم يكن هناك اتّفاق بل مجرّد تعريض بأنّ المشتري سيشتري السّلعة بربح إذا حصلت عند البائع. وهذا واضحٌ في نصوصهم لا يحوج إلى تعمّق في الفهم ولا تكلّف في التفسير. وأمّا كلام خليل «جاز لمطلوبٍ منه سلعةٌ: أن يشتريها ليبيعها بمالٍ ولو بمؤجَّلٍ بعضه» [5] ، فإنّما يعني به النّوع الأوّل من العينة الجائزة، وهي التي تكون من غير مراوضة ولا عادة ولا تسمية ربح، وقد ذكر الصّورتين الأخريين مباشرة في عقب نصّه السابق، فقال بعدَه مباشرة: «وكُرِه خُذ بمائة ما بثمانين، أو اشترها ويومئ لتربيحه، ولم يُفسخ [وهي الصورة المكروهة] بخلاف: اشترها بعشرة نقدًا وآخذها باثني عشر لأجل [أي فإنّه يُفسخ، وهي الصّورة المحرّمة] » [6] ، وقد أوضح ذلك شُرّاح خليل [7] بما لا يحتاج منّا إلى مزيد كلام.
والخطأ الثاني: أنّ بعضهم حَمَل كلام المالكيّة في منع هذا البيع على الوكالة بالشّراء، وأنّ المرابحة للآمر بالشّراء ليست كذلك: فقال: «فالتصوُّر في هذه الصّورة [الممنوعة] التي أوردها المالكيّة هو أنّ الراغب في الشراء يطلب من الشخص المعني أن يشتري السّلعة له (أي للراغب نفسه) حيث يقول: له اشترِ لي سلعة كذا. وهذا يعني أنّه يوكّله الشّراء، والوكيل كما هو معروف أمين، فإذا هلك ما تحت يده بلا تعدٍّ ولا تقصيرٍ فإنّه يهلك على ملك الأصيل. فلا محلّ لمرور الضّمان هنا بذمّة المشتري الوسيط، حيث يصبح الثمن المدفوع قرضًا أو سلفًا بدأ بعشرة دراهم وانتهى باثني عشر درهمًا، وهذا حرام؛ لأنّ فيه سلفًا وزيادة ... أمّا الصورة [الجائزة] التي أوردها الإمام الشافعي فهي تتناول صورة الشّراء الكامل من جانب المطلوب منه الشّراء. وهو
(1) المعونة على مذهب عالم المدينة، للقاضي عبد الوهاب، ص 1003.
(2) مختصر خليل، ص 151.
(3) انظره ص 15 من هذا البحث.
(4) المرابحة للآمر بالشراء، للصديق الضرير، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد 5، ص 743.
(5) مختصر خليل، ص 151.
(6) المرجع السابق. وما بين المعقوفتين [] توضيح من الباحث.
(7) انظر مثلا: مواهب الجليل، للحطّاب (4/ 404) .