الصفحة 20 من 50

أنّ ابن عمر، رضي الله عنهما، هو نفسه راوي حديث ذمّ العينة [1] . أمّا المرابحة للآمر بالشِّراء فهي لا تُتصوّر إلا أن تكون عن تواطؤٍ وتراوض على إجراء بيعتين (شراء المصرف أولًا ثمّ بيعه للعميل ثانيًا) ، فالتراوض والتواعد مكوّن جوهري فيها، وهذا التراوض ذريعة للوصول في المحصِّلة إلى مبادلة نقد بأكثر منه نسيئة، فاختلفت بذلك جوهريًّا عن صورة العينة المذكورة التي أجازها ابن عمر.

والوجه الثالث: قد يُقال: إنّ ابن عمر رأى أنّ طلبَ الرّجل السّلعة ممّن ليست عنده، ووعْدَه بشرائها إذا حصلت له، بمثابة العقد، وعليه نهى عن المرابحة للآمر بالشراء؛ لأنها حينئذٍ تُصبح من باب بيع الإنسان ما ليس عنده. يشير إلى ذلك ما جاء عنه في قصّة أخرى عن مالك: «بلغَهُ أنّ رجلًا أراد أن يبتاع طعامًا من رجل إلى أجل، فذهب به الرجل الّذي يريد أن يبيعه الطّعام إلى السّوق، فجعل يريه الصُّبَر، ويقول له: من أيّها تحبّ أن أبتاع لك؟ فقال المبتاع: أتبيعني ما ليس عندك؟ فأتيا عبد الله بن عمر فذكرا ذلك له، فقال عبد الله بن عمر للمبتاع: لا تبتع منه ما ليس عنده، وقال للبائع: لا تبع ما ليس عندك» [2] . والظاهر من سياق هذه الرواية أنّ البائع لم يبع الطعام للمشتري قبل أن يتملّكه، وإنّما أراد أن يشتريه لنفسه بناءً على طلب المشتري ثمّ يبيعه إليه بعد ذلك، ومع ذلك قال له ابن عمر: «لا تبع ما ليس عندك» . ولكن روى ابن وهب هذه القصّة بسياق آخر يظهر منه أنّ البائع قد باع السّلعة قبل أن يتملّكها فقال: عن مالك قال: «بلغني أنّ رجلا سأل عبد الله بن عمر، فقال: إنّي ابتعت من رجل طعامًا، فلمّا جئت ليوفِّيني إذا هو لا طعام عنده، وإذا هو يريد أن يبتاعه لي من السّوق. قال عبد الله بن عمر: لا آمره أن يبيعك إلا ما كان عنده، ولا آمرك أن تبتاع منه إلا ما كان عنده» [3] . وهي تعكّر على هذا الوجه من الجواب إلا أن يكون سندها ضعيفًا، أو يكون صحيحًا لكنّها قصةٌ أخرى غير الأولى. وهذا ما لا يمكنني الجزم به. وعليه فالمعوّل عليه في الجواب الوجهان السّابقان.

(1) وهو الحديث: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» . رواه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي والبزار وغيرهم من طُرُق عن ابن عمر، رضي الله عنهما. صحّح أحدها ابن القطان، وابن تيمية، وابن القيم. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 48) : «قلت: وعندي أنّ إسناد الحديث الذي صحّحه ابن القطان معلول» . قال أبو الفيض الغماري الحافظ في المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (1/ 329) : «صحَّحه ابن القطان، وتعقّبه الحافظ بما فيه تعسُّفٌ ظاهر، بل بما فيه وهمٌ صريح» . وقال بعد أن بيّن ذلك وذكر للحديث طرقًا: «هذه طرق دونها يصحِّح البيهقي والحافظ الحديث لأجلها، ولمّا لم يقل الشافعي، رضى اللَّه عنه، بتحريم بيع العينة فأنت ترى كيف يصنع مقلِّدته بالحديث» . وضعَّفه من المعاصرين الأرناؤوط في تخريجه مسند أحمد (8/ 440) ثمّ حسّنه في تخريجه سنن أبي داود (5/ 333) . وقال الألباني (الصحيحة: 11) : صحيح بمجموع طرقه. وانتهى جمال السّيد بعد بحث جيّد إلى أنّه حسن بمجموع طرقه. يُنظر: ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنّة النّبويّة وعلومها، لجمال السيد (3/ 77) .

(2) الموطأ، لمالك (4/ 927) .

(3) ذكرها، دون إسناد، ابن عبد البر في الاستذكار (6/ 370) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت