الصفحة 19 من 50

ذلك متساومان غير متبايعين، فذلك إغفالٌ منهم لِسَعة اللغة، لأنّه قد يحتمل أن يكونا سُمِّيا متبايعين، لقربهما من التبايع، وإن لم يكونا تبايعا، وهذا موجودٌ في اللغة، قد سُمِّي إسحاق أو إسماعيل، عليهما السّلام، ذبيحًا لقربه من الذّبح، وإن لم يكن ذُبِح. فكذلك يُطلق على المتساومين اسم المتبايعين إذا قَرُبا من البيع، وإن لم يكونا تبايعا. وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"لا يسوم الرجل على سوم أخيه"، وقال:"لا يبيع الرجل على بيع أخيه"، ومعناهما واحد» [1] .

ولو سُلِّم بأنّ المراوضة والمواعدة غير الملزمة لا تُسمّى بيعًا، ولا ينطبق عليها حديث النّهي عن بيعتين في بيعة، فكذلك القول في المواعدة الملزمة هي ليست بيعًا ولا تترتب عليها أهمّ آثار البيع وهو انتقال الملكيّة، فالعلّة التي تمنع من عدّ الوعد الملزم بيعًا تمنع كذلك من عدّ الوعد غير الملزم بيعًا. فتفريق من فرّق بين الحالين لا وجه له، والله أعلم.

ج: عدم تناقض هذه الرواية مع ما روي عن ابن عمر من إجازته العينة:

قد يقدح بعضهم في هذه الرواية عن ابن عمر، رضي الله عنهما، من حيث المعنى بالقول: روي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، إباحة صورة العينة المشهورة، وهي: بيع الشيء إلى أجل ثم شراؤه نقدًا بأقلّ من الثمن الأول، وذلك فيما رواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر: «أنّ رجلًا باع من رجل سَرْجًا ولم ينقد ثمنه، فأراد صاحب السّرج الذي اشتراه أن يبيعه، فأراد الذي باعه أن يأخذه بدون ما باعه منه، فسأل عن ذلك ابنَ عمر فلم يرَ به بأسًا، وقال ابن عمر: فلعلّه لو باعه من غيره باعه بذلك الثَّمن أو أنقص» [2] . فكيف يمنع ابنُ عمر المرابحة للآمر بالشراء، ومع ذلك يجيز صورة العينة المشهورة، مع أنّ هذه الأخيرة أظهر في إفضائها إلى حقيقة الرّبا، وكونها ذريعة إليه.

والجواب على ذلك من وجوه:

أحدها: أنّ راوي الأثر عن مجاهد هو الليث بن أبي سليم، وهو ضعيف الحديث [3] .

والوجه الثاني: أنّه على فرض صحّة الرواية فابن عمر أجاز هذه الصّورة من العينة؛ لأنّها تخلو من المواطأة والمراوضة على إجراء البيعتين المتعاقبتين، وذلك ظاهر جدًّا من خلال سياق الرواية، ومن تعبير الراوي فيها بفاء الاستئناف: «فأراد صاحب السّرج ... فأراد الذي باعه ... فسأل عن ذلك ... » . وإذا خلت هذه المعاملة والعقود المتعاقبة من التواطؤ بين البائع والمشتري، فإنّه ينعدم فيها قصد التحيّل والوصول إلى الرّبا. وهذا هو ما يُحمل عليه قول من أجاز هذه الصّورة من العينة من فقهاء السَّلف [4] . ويؤكّد هذا الأمر

(1) شرح معاني الآثار، للطحاوي (4/ 15) .

(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 187) ، والبيهقي في السنن الكبرى (5/ 541) ، واللفظ له.

(3) يُنظر: ميزان الاعتدال، للذهبي (3/ 420) .

(4) أخرج عبد الرزاق في مصنفه (8/ 185) عن عمرو بن مسلم قال: «سألت طاووسًا عن رجل باع من رجل متاعًا، أيشتريه منه قبل أن ينقده؟ فقال: رخّص فيه ناس، وكرهه ناس، وأنا أكرهه» . وقال أبو داود في مسائل الإمام أحمد، ص 263: «سمعت أحمد، سُئل عن رجل باع ثوبًا بنقد، ثم احتاج إليه يشتريه بنسيئة؟ قال: إذا لم يُرد بذلك الحيلة، قيل: لم يرد؟ فكأنه لم يرَ به بأسًا» . فَقَيْد"عدم إرادة التحيّل"، أي"التواطؤ المسبق"، هو الذي يُحمل عليه قول من وردت عنه إجازة هذه الصورة من العينة، بدءًا من زيد بن أرقم، رضي الله عنه، الذي أنكرت عليه عائشة، رضي الله عنها شراءه نسيئةً عين ما باعه نقدًا، (بأكثر ممّا باعه) ، وانتهاء بالإمام الشافعي الذي اشتهر عنه القول بجواز العينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت