ويبدو أنّ الإمام مالكًا يجعل هذ البيع (المرابحة للآمر بالشّراء) ، بالإضافة إلى ما فيه من شبهة الرّبا، من باب بيعتين في بيعة؛ لأنّه أدرج رواية ابن عمر في موطئه تحت هذا الباب. قال ابن عبد البر: «هذا الحديث عند مالك فيه وجهان: أحدهما: العينة، وقد تقدّم تفسيرها بمثل هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب وغيره. والثاني: أنّه من باب بيعتين في بيعة؛ لأنها صفقة جمعت بيعتين أصلها البيعة الأولى» [1] . وقال الباجي: «قوله:"ابتع لي هذا البعير بنقد فبتاعه منه إلى أجل"أدخله في باب: بيعتين في بيعة، ولا يمتنع أن يُوصف بذلك من جهة أنَّه انعقد بينهما أنَّ المبتاع للبعير بالنّقد إنّما يشتريه على أنّه قد لزم مُبتاعه بأجل بأكثر من ذلك الثّمن فصار قد انعقد بينهما عقدُ بيعٍ تضمّن بيعتين، إحداهما: الأولى، وهي بالنّقد، والثانية: المؤجّلة» [2] .
وممّا يُفهم من كلام بعض المعاصرين أنّه لا يصحّ، عَدُّ المرابحة للآمر بالشّراء من باب بيعتين في بيعة إلا إذا كان الوعد فيها مُلزمًا [3] على نحو ما أشار إليه الباجي في كلامه الآنف، وأيضًا ما قاله ابن العربي في مثل هذا البيع: «ولا يمكن تفسيره به [أي ببيعتين في بيعة] على التّصريح إلا إذا شارطه عليه، والتزم له ما يشتري. وأمّا إذا فاوضه فيه، وواعده عليه، فليس يكون حرامًا محضًا، ولكنّه من باب شُبهة الحرام، والذّريعة به» [4] . والذي يراه الباحث أنّ ذلك ليس بشرط؛ فالبيع المذكور:
إمّا أن يُقال: إنّه ليس من باب بيعتين في بيعة بالكلّيّة، سواءٌ أكان الوعد ملزمًا أم لا.
وإمّا أن يُعدّ بيعتين في بيعة، بغضّ النّظر عن لزوم الوعد وعدمه، لأنّه جرى التراوض والتواطؤ على البيعتين مُقدّمًا، ونتيجةً لهذا التراوض رُبطت إحداهما بالأخرى، وهذا الرّبط كافٍ في عدِّهما بيعتين في بيعة، سواءٌ أكان الارتباط بينهما وثيقًا إلى درجة اللّزوم أم لا. أمّا اشتماله على بيعتين فظاهر (بيعة النقد وبيعة الأجل) ، وأمّا كونهما في بيعة واحدة؛ فلأنّهما عند المراوضة والمواعدة قُرنتا ببعض، وجُعلت إحداهما مفضية إلى الأخرى، ومستتبعة لها، ومتوقّفة عليها، حتمًا (إذا قيل بلزوم الوعد) ، أو في أغلب الظن (إذا قيل بأنّ الوعد غير لازم) .
فإن قيل: مجرّد المراوضة والمواعدة ليس بيعًا، وعليه لا يصحّ وصف البيعتين بأنّهما كانتا في بيعةٍ واحدة، فهي ليست بيعة، بل مجرّد مراوضة ومواعدة غير ملزمة، فيُقال: بل تُسمّى المراوضة على البيع والمواعدة عليه بيعًا، على وجه المجاز، ولعلّ هذا هو مأخذ الإمام مالك في هذه المسألة. فإنّه فسَّر البيع في الحديث:"لا يبع بعضكم على بيع بعض"بالمساومة. قال رحمه الله: «وتفسير قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما نرى - والله أعلم:"لا يبع بعضكم على بيع بعض"، أنّه إنّما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه» [5] . وقال أبو جعفر الطّحاوي: «قولهم: لا يكونان متبايعين إلا بعد أن يتعاقدا البيع، وهما قبل
(1) الاستذكار، لابن عبد البر (6/ 449) .
(2) المنتقى، للباجي (5/ 38) .
(3) ينظر: بيع المرابحة للآمر بالشراء، لعبد العظيم أبو زيد، ص 108، والمرابحة للآمر بالشراء، للصديق الضرير، مجللة المجمع الفقهي، العدد 5، ص 745.
(4) عارضة الأحوذي، لابن العربي (5/ 239) .
(5) الموطأ، لمالك (4/ 986) .