الكراهيّة على كراهيّة التنزيه فقط، ويخصُّون كراهيّة التّحريم بلفظ التحريم والمنع، وأشباه ذلك. وأمّا المتقدِّمون من السّلف فإنّهم لم يكن من شأنهم فيما لا نصَّ فيه صريحًا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام» [1] .
د: علّة المنع من المرابحة للآمر بالشراء في رواية ابن عمر:
قال القنازعي: (ت 410 هـ) : «إنّما كرهه ابن عمر؛ لأنّ الذي اشترى البعير بعشرة وباعه باثنتي عشر إلى أجل إنّما أسلفه عشرة ليأخذ منه اثنتي عشر. فإن باعه منه بمثل ما ابتاعه به إلى أجل لم يكن به بأس، لأنّه أسلفه الثمن ولم يزد عليه شيئًا» [2] . أي أنّ العلة هي شُبهة ربا النّسيئة (السّلف بزيادة) . وقال الباجي: «فيها سلفٌ بزيادة؛ لأنّه يبتاع له البعير بعشرة على أن يبيعه منه بعشرين إلى أجل، يتضمّن ذلك أنّه سلَّفه عشرةً في عشرين إلى أجل» [3] .
ومِمّا تجدر الإشارة إليه هنا أنّه صحّ عن ابن عمرَ وابن عبّاسٍ، رضي الله عنهم، الحكمُ على المرابحة المجرّدة إذا كانت بالنّسبة (بيع: ده يازده) بأنّها ربا [4] . وقولُ بعضهم بأنّ حكمَهما هذا عليها يعود إلى علّة الجهالة في الربّح بسبب كونه نسبةً من رأس المال لا مبلغًا مقطوعًا، مرجوحٌ؛ لسببين:
أحدهما: أنّ الجهالة يسيرة تزول بأدنى حساب فلا يُعقل تعويل الصّحابة على ذلك، ثمّ إنّه لا تتناسب هذه المفسدة اليسيرة مع هذا التشديد المنقول عنهم في المسألة.
والسّبب الآخر: أنّهما حَكَما على هذا البيع بأنّه ربا، وهذا الحكم، في الظاهر، لا ينسجم مع التّعليل بالغرر والجهالة. وعليه فلعلّ الأولى أن يُعلَّل ذلك بأنّ هذا البيع (المرابحة بنسبة) يكثر استخدامه ذريعةً للرّبا، ولا سيّما إذا كان نسيئة، وأنّهما لاحظا أنّه بهذه الصّورة مستعملٌ في زمانهم من قِبَل أهل العينة وأَكَلَة الرِّبا للتوصّل به إلى الإقراض بفائدة عن طريق البيع، كما هو في هذه الصّورة التي بين أيدينا:"ابتع لي هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك لأجل"التي نهى عنها ابن عمر، والله أعلم. وهذا هو مأخذ الإمام أحمد، رحمه الله، في كراهة بيع المرابحة بالنّسبة نسيئةً، فقد كرهه؛ لأنّه يُستعمل في العِينة لا لعلّة الجهالة. قال أبو داود: «سمعت أحمد، سُئل عن الرجل يبيع المتاع فيجيئه الرجل يطلب المتاع ينسؤه، فيقول: أبيعك بده شازده وده داوزده؟ [قال أحمد] فلا يعجبنا أن يكون بيعه هذا، هذا في العينة، قلت: يُقال لها: عينة، وإن لم يرجع إليه؟ قال: نعم» [5] .
(1) الاعتصام، للشاطبي (2/ 537) .
(2) تفسير الموطأ، للقنازعي (1/ 470) .
(3) المنتقى، للباجي (5/ 38) .
(4) قال ابن حزم: «روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كره بيع"ده دوازده"، معناه أربحك للعشرة اثني عشر، وهو بيع المرابحة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: هو ربا. ومن طريق وكيع، وعبد الرزاق، قالا جميعا: أنا سفيان الثوري عن عمار الدهني عن ابن أبي نعم عن ابن عمر أنه قال: بيع"ده دوازده"ربا. وقال عكرمة: هو حرام، وكرهه الحسن وكرهه مسروق وقال: بل أشتريه بكذا أو أبيعه بكذا» . المحلّى (7/ 500) .
(5) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني، ص 263.