الصفحة 16 من 50

«إذا قال مالك بلغني فهو إسناد» [1] . وقال يحيى بن سعيد: «مرسلات مالك صحاح» [2] . وقال: «كان أصحابنا يقولون: مرسلات مالك إسناده» [3] ، وقال ابن وهب: «مالك والليث إسناد وإن لم يسندا» [4] ، وقال إبراهيم الحربي: «مالك لا يرسل إلا عن ثقة» [5] .

ب: معنى الكراهة في كلام السّلف:

جاءت الرواية عن ابن عمر، رضي الله عنهما، في شأن المرابحة للآمر بالشّراء بلفظ «فكرهه ونهى عنه» . وأكثر ما ترد الكراهة في كلام السَّلف وأئمّة الفقهاء بمعنى التحريم، ولكنّه تحريم دون التحريم الذي يقولون فيه: حرام؛ وذلك: إمّا لأنّ هذا التّحريم ثبت بالاجتهاد ولا نصَّ صريحًا فيه، وإمّا لأنّ هذا التحريم ممّا ثبت بدليلٍ ظني الثبوت لا متواترًا أو مستفيضًا. وهذا بخلاف ما عليه الأمر عند المتأخّرين من الفقهاء، حيث يُطلقون الكراهة على ما تركه أولى ولا إثم في فِعله.

عن الأعمش، قال: «ما سمعتُ إبراهيمَ يقول قطّ: حلال ولا حرام، إنّما كان يقول: كانوا يتكرّهون، وكانوا يستحبّون» [6] .

وعن الإمام مالك قال: «لم يكن من أمر النّاس، ولا من مضى من سلفنا، ولا أدري أحدًا أقتدي به يقول في شيءٍ: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنّما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا حَسَنًا، ونتّقي هذا، ولا نرى هذا، ولا يقولون: حلال ولا حرام. أَمَا سمعت قول الله عزّ وجلّ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] الحلال ما أحلّه الله ورسولُه، والحرام ما حرّمه الله ورسولُه» [7] .

قال ابن القيّم: «غلِط كثيرٌ من المتأخِّرين من أتباع الأئمّة على أئمّتهم ... حيث تورَّع الأئمّة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخِّرون التّحريم عمَّا أَطلق عليه الأئمّة الكراهة، ثمّ سَهُل عليهم لفظ الكراهة وخفَّت مؤنته عليهم، فحمله بعضُهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرفاتهم، فحصل بسببه غلطٌ عظيم على الشّريعة وعلى الأئمّة» [8] .

وقال الشاطبي: «أمّا كلام العلماء فإنّهم وإن أطلقوا الكراهيّة في الأمور المنهيّ عنها لا يعنون بها كراهيّة التنزيه فقط، وإنّما هذا اصطلاحٌ للمتأخّرين حين أرادوا أن يفرّقوا بين القبيلين. فيطلقون لفظ

(1) المرجع السابق

(2) المرجع السابق

(3) المرجع السابق

(4) المرجع السابق

(5) المرجع السابق

(6) أخرجه الدارمي في سننه (1/ 277) . قال محققه حسين سليم أسد: إسناده صحيح.

(7) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/ 1075) .

(8) إعلام الموقعين، لابن القيم (1/ 32) ، وانظر هناك نقوله عن أئمة الفقه المثبتة لهذا الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت