بـ (( تسلسل العلل ) ) [1] . فمثلا يقصد طالب الثانوية العامة من دراسته النجاح، ومن نجاحه دخول الجامعة، ومن دخوله الجامعة تأهله للوظيفة، ومن تأهله للوظيفة حصوله على المال، ومن حصوله على المال الإنفاق على نفسه وأهله، وهكذا ... ، فلا تتحقق في الخارج غاية من هذه الغايات الباطنة للفعل الأول (الدراسة) ـ والتي قد يكون كلها أو بعضها حاضرا في ذهن الطالب قبل قيامه بهذا الفعل ـ إلا بأن تتحقق جميع الغايات التي تسبقها.
ومن الفروق الجوهرية، أيضا، بين نوعي اعتبار الغاية: أن الغاية الباطنة للفعل المقصود إيقاعُه [2] تُشكل جزءًا من ماهيته وكينونته وهويته بحيث لا تنفك عنه بحال من الأحوال، إذ لا يُتصور فعلٌ مقصود الوقوع من غير باعث عليه. أما الغاية الظاهرة المتحققة في الخارج فليست بهذا الوصف، إذ ليست هي إلا لازمًا من اللوازم غير الضرورية للفعل فقد تتحقق وقد لا تتحقق. فمن درس لغاية النجاح، لا يصدر عنه فعل الدراسة في حال من الأحوال إلا بابتعاث الغاية الباطنة له عليه [3] . أما
(1) انظر: شلبي: محمد مصطفى، تعليل الأحكام، دار النهضة العربية، بيروت، 1401 ه، 1981 م، ص 101.
(2) احترزت بهذا الوصف ـ (( المقصود إيقاعه ) )ـ عن فعل النائم والمجنون والمكره غير المختار ... الخ فإن أفعال مثل هؤلاء تخلو عن الباعث النفسي.
(3) ومن عجيب أمر الغايات الباعثة أنه لربما قام الفاعل بالفعل قاصدا له، وهو ذاهل عن الغاية الباطنة الباعثة له عليه، مع وجودها حقيقة، وذلك كمن اعتاد تكرار فعلٍ ما لغاية محددة: كالمحترف مثلا لكسب العيش الذي ليست تحضره هذه الغاية كلما قام بعمله، أو كالمصلي شارد الذهن وهو يقرأ ويركع ويسجد في صلاته. ومن أجل هذا فقد يَظُن الظانُّ إمكان خلوّ الفعل المقصود عن الغاية الباعثة. وهذا خطأ بلا ريب. ومردُّه إلى جعل عدم تلمس الشيء، أو عدم الوقوف عليه، دليلا على عدم وجوده. مع أنه من الثابت منطقيا أن عدم القدرة على الوصول لشيء ما لا يعني بحال عدم وجود هذا الشيء، إذ قد تَحُول حوائلُ تحجب المرء عن أن يتصل علمُه بالشيء مع أن هذا الشيء موجود فعلا. وإنما احتجبتِ الغايةُ الباعثة عن علم صاحبها في مثل ما ذكرنا من الحالات نتيجة لظاهرة نفسية مفادها أن العقل الباطن لدى الإنسان يقوم آليا بعملية (( تفريغ ذاتي ) )للمحتويات ـ ومن ضمنها الغايات ـ المتكدِّسة فيه، كوسيلة لتخفيف العبء، ولاستيعاب المزيد من الجديد. ويكثر هذا (( التفريغ ) )للغايات إذا كان حصولها في الخارج متراخيا عن الفعل تراخيا معقولا، أو إذا كان الفعلُ متكررَ الحدوث من الفاعل بحيث صار بالإمكان أن يصدر عن الجوارح بتلقائية وعفوية دون الحاجة إلى توسط الفكر. ولا يعني (( التفريغ الذاتي ) )أن العقل يطَّرِح هذه الغايات الباعثة كليا، وبالتالي يتجرد الفعلُ عن غايته الباعثة. لا، إنما يقوم العقل بعملية ترحيل أو نقل لها من منطقة (( الوعي ) )أو (( الشعور ) )لدى الفاعل، إلى منطقة (( اللاوعي ) )أو (( اللاشعور ) )، فيصير الفاعل نتيجة لذلك ذاهلا عنها ـ أي الغاية الباعثة ـ إبان إيقاعه الفعل، مع أنها موجودة حقيقة لكن لا في مركز الإحساس بها. ألا ترى أنه يستطيع استحضارها (=البحث عنها في اللاوعي) وقتما يشاء، وهو لا بد فاعلٌ ذلك بين الحين والآخر؟ وألا ترى أنه إذا سُئل عن غايته أجاب فورا؟ وألا ترى كذلك أن هذا الفاعل الذاهل يقطع فعله فورا إذا جَدَّ ظرفٌ يجعله يائسا من تحقق غايته، مما يدل على وجودها لديه وكمونها في أعماقه، وإلا لمضى في عمله ولم يتأثر، إذا كان يعمل من غير غاية؟؟