الملاحظة الثالثة: ما ذكره ابن دقيق العيد والزركشي ـ كما أوردناه آنفا ـ من أن النص بهذا الاصطلاح هو اصطلاح الجدليين، إذا كان المراد اختصاص الجدليين به، وهو الظاهر، فكلامٌ تنقصه الدقة؛ إذ لم يختصَّ بـ (( النص ) )بهذا الإطلاق أحد، وإنما هو فاشٍ في كتابة الأصوليين ـ لا سيّما المتأخرين ـ والفقهاء والجدليين على حد سواء. وإذا كان المقصود غلبةَ استعماله في لغتهم فالأمر قريب.
الملاحظة الرابعة: ما قاله القرافي وابن بدران من أن النص هو (( ما دل على معنى كيفما كان ) )قد يؤخذ منه أنهما يدخلان قيد الدلالة في تعريف النص بهذا الإطلاق، وبالتالي يُخرجان النصوص غير الدالة بنفسها ـ كالنصوص المجملة والمتشابهة ـ من حد النص. وهذا ما لا نعتقد أنهم قصدوه، وذلك لسببين:
أحدهما أن النص بهذا الإطلاق لم يجر عليه أحد، مع أن القرافي وابن بدران كليهما كانا في صدد توصيف المصطلح في لغة الأصوليين لا بصدد ابتكار دلالة خاصة لهذا المصطلح.
والسبب الآخر: تعقيب ابن بدران بقوله (( وهذا هو الغالب في كلام الفقهاء في الاستدلال، حيث يقولون: لنا النص والمعنى ) ) [1] ، والغالب في كلام الفقهاء في الاستدلال هو أن النص هو مجرد لفظ الكتاب والسنة بغض النظر عن نوع الدلالة. والنص عندهم هو اللفظ الذي يجعلونه في مقابلة (( المعنى ) )، أي القياس. وربما قالوا: (( المنقول والمعقول ) )، بدل (( النص والمعنى ) ).
الملاحظة السادسة: النص بهذا الإطلاق هل يشمل الفعل النبوي؟ هنا ثمة مجال للاجتهاد، وما نرجحه هو أنه يشمله لأنهم أطلقوا النص على الكتاب والسنة، والفعل النبوي من السنة. لكن يُشكل على ذلك أنه لا يسوغ لغة أن يوصف الفعل بأنه نص. قال أبو الحسين البصري، بعد أن اشترط في النص أن يكون كلاما: (( وأما اشتراط كون النص عبارةً فلأن أدلة العقول والأفعال لا تُسمَّى نصوصا ) ) [2] .
(1) ابن بدران، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ص 187.
(2) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 295.