والجواب على هذا الإشكال أن الفعل النبوي لم يدخل في مفهوم النص إلا بعد أن تحول من صيغته الفعلية إلى الصيغة الكلامية على لسان الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم. فالفعل النبوي كان على صيغته الفعلية في عهد الرسالة فقط حيث كان يُدرك بالمشاهدة، أما بعد عصر الرسالة فقد صار كلاما للصحابة يدرك بالسماع فحسب. ومن هنا صح بأن يوصف بأنه نص، لكنه، في الحقيقة، ليس (( نصا للشارع ) )، بل (( نص عن الشارع ) )صلى الله عليه وسلم.
الاصطلاح الثاني:
ويُطلق فيه النص بمعنى (( حكاية اللفظ على صورته، كما يُقال: هذا نَصُّ كلام فلان ) )، وهذا نص كلام الزركشي [1] . وقال ابن حزم: (( وقد يُسمَّى كل كلام يُورد كما قاله المتكلم به نصا ) ) [2] .
ولنا هاهنا ملاحظتان:
إحداهما: أن مصطلح النص في هذا الإطلاق لا يُلفظ مجردا بل مقيدا بالإضافة إلى القائل، أي أنه لا يقال: (( النص ) )هكذا بـ (( ألـ ) )التعريف، كما هو الحال في الاصطلاح السابق، وإنما يُقال: هذا نَصُّ كلام فلان بالإضافة إلى القائل، أو يُقال: نَصَّ فلانٌ على كذا بصيغة الفعل. ولا يُستغنى عن الإضافة إلا إذا دلت القرينة عليها.
الملاحظة الثانية: لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الأصوليين كثيرا ما يتجوَّزون في هذا الإطلاق لا سيما حالة إيراد النص بصيغة الفعل، فيقولون: نَصَّ فلان على كذا ويوردون معنى كلامه لا كلامَه بحروفه، ولا يخفى هذا الأمر على متتبع.
(1) الزركشي، البحر المحيط، ج 1،ص 462.
(2) ابن حزم، الإحكام، ج 1، ص 43.