المطلب الثالث
التطور التاريخي لمصطلح النص
ذكرنا من خلال تتبعنا لمعنى النص في المعجم العربي أن معنى اللفظ (( نص ) )قد تطور ـ والعلم عند الله تعالى ـ من معنى (( الرفع والارتفاع ) )إلى معنى (( الظهور ) )وذلك لعلاقة التلازم بين الارتفاع والظهور.
أ. ومن هنا نشأ الاصطلاح العلمي الأول لـ (( النص ) )وهو اللفظ أو الخطاب واضح الدلالة أو الظاهر، سواء أكان قطعيا أو ظنيا. ويدل على هذا استخدامُ النص بهذا المعنى في لغة الإمام الشافعي (ت 204 هـ) نفسه مؤسس علم الأصول. فالشافعي يقابل في لغته بين النص والدلالة، وبين النص والجملة، وبين النص والاستنباط، وبين النص والقياس، وأحيانا بين النص والسنة [1] ، ويندر في لغته استخدام لفظ
(1) فأما مقابلته بين النص والدلالة فقد قال في القرآن: إن الله (( بيّن فيه ما أحل وما حرّم وما حمد وما ذم وما يكون عبادة وما يكون معصية نصا أو دلالة ) )، أحكام القرآن، ج 1، ص 18. وقال في الأم، ج 4، ص 72: (( قلتُ للشافعي: وهكذا نص السنة؟ قال: لا، ولكن هكذا دلالتها ) ). وأما مقابلته بين النص والجملة فقد قال في السنة: (( إنما هي تبع للكتاب بمثل ما نزل نصا ومفسِّرة معنى ما أنزل الله منه جملا ) )أحكام القرآن، ج 1، ص 33. وقال: (( أصل التحريم نص كتاب أو سنة أو جملة كتاب أو سنة أو إجماع ) )الأم، ج 2، ص 247.وأما مقابلته بين النص والاستنباط فقد قال في القرآن: (( حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصا واستنباطا ) )أحكام القرآن، ج 1، ص 21. وأما مقابلته بين النص والقياس فقد قال: (( لما كان الأقربون ورثة وغير ورثة، أبطلنا الوصية للورثة من الأقربين بالنص والقياس ) )الأم، ج 4، ص 113. وقال: (( قلنا له: النص عليك، والقياس عليك. وأنت تدعي القياس حيث تخالفه ) )الأم، ج 6، 168. وأما مقابلته بين النص والسنة فقد قال: (( ونحن مجمعون على أن جائزا لنا فيما ليس فيه نص ولا سنة أن نقول فيه بالقياس ) )الأم، ج 7، ص 284. وهو في كل هذه المواطن يعني بالنص الخطاب الشرعي ذا الدلالة الواضحة.