فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 56

بالقطعية، لتصبح القاعدة قائلة بعد ذلك: لا اجتهاد في مورد النص القطعي [1] . وعلى أية حال فالقاعدة حتى بعد هذا التقييد تظل غير صحيحة بعمومها؛ لأن اللفظ حتى لو كان قاطعا فإنه قابل للاجتهاد لا من حيث تفسير المراد به وإنما من حيث تطبيقه على الوقائع؛ فالنص في حدّ السرقة، مثلا، قطعي لكننا نجد أن عمر، رضي الله عنه، قد اجتهد في تطبيقه عام المجاعة فأوقف العمل به. وكذا يُقال بالنسبة للمؤلفة قلوبهم، فالنص على إعطائهم قطعي لكن عمر، رضي الله عنه، منع العطاء عنهم لأنه رأى أن إعطاءهم قد كان مقيدا بعلة حاجة الدولة لهم فلما زالت الحاجة زال الحكم. وإذا أردنا للقاعدة أن تتجاوز هذا الإشكال فلا بد من تحويرها قليلا لتصبح: (( لا اجتهاد في تفسير النص ) )، بدلا من (( لا اجتهاد في مورد النص ) ). والله أعلم.

الاصطلاح الثالث:

يُطلق فيه النص على (( ما لا يتطرق إليه التأويل ) ).

اختاره الغزالي في المنخول [2] من بين تعريفات النص. وقال إمام الحرمين: (( وقد اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقته [أي النص] فقال بعضهم: هو لفظ مفيد لا يتطرق إليه تأويل ) ) [3] .

وينبغي أن لا نخلط في هذا المقام ـ كما فعل البعض [4] ـ بين قول الأصوليين: (( لا يتطرق إليه الاحتمال ) )، وبين قول الغزالي: (( لا يتطرق إليه التأويل ) ). وذلك لأن التأويل (الصحيح) لا يكون إلا بوجود ثلاثة أمور مجتمعة: احتمال اللفظ، ودليل التأويل، وقوة الدليل بحيث تفوق قوة الظاهر. فالاحتمال، على هذا، شرط التأويل، ووجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط، بينما وجود المشروط يستلزم وجود الشرط، أي أن احتمالية اللفظ لا تعني وجود التأويل دوما فقد يكون اللفظ محتملا،

(1) انظر، مثلا: الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، ص 164.

(2) الغزالي، المنخول، ص 165.

(3) الجويني، البرهان، ج 1، ص 277.

(4) كالدكتور الصالح صاحب (( تفسير النصوص ) )، ص 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت