ومع هذا لا يتطرق إليه التأويل لعدم توافر الشرطين الآخرين أو أحدهما، بينما لا يوجد التأويل الصحيح أبدا حتى يكون اللفظ محتملا.
وعلى هذا، فالنص، بناء على هذا التعريف، يشمل نوعين من الألفاظ:
أحدهما: اللفظ القاطع كألفاظ الأعداد. فهذا اللفظ غير قابل للتأويل لأنه لا احتمال فيه أصلا.
والنوع الآخر: اللفظ الظني المحتمل، لكن لم يرد دليل مقبول يعضد هذا الاحتمال. فهذا النوع من الألفاظ لم يتطرق إليه التأويل أيضا، لا لعدم احتماله للتأويل لغة، وإنما لأنه لم يرد ما يدعم هذا الاحتمال فيجعله راجحا بعد أن كان مرجوحا. فمثلا قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج (29) ] نصٌّ في وجوب الطواف في الحج، مع أن لفظ الأمر (( وليطوّفوا ) )محتمِلٌ، من حيث الصيغة، للندب، لكن لم يقم على هذا الاحتمال دليل. أما قوله تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة (282) ] فليس نصا في وجوب كتابة الدين ـ مع أنه وارد بصيغة الأمر أيضا ـ لأن الدليل قام ـ عند الجمهور ـ على عدم وجوب الكتابة، وهو قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته} [البقرة (283) ] .
والذي يبدو لي أن الغزالي بإيراده هذا التعريف للنص لم يكن يسعى إلى (( توصيف ) )النص في لغة الأصوليين، وإنما كان يقترح تعريفا (( معدَّلا ) )للنص بدلا من التعريف (( ما لا يتطرق إليه الاحتمال ) )؛ وذلك لأنه ذكر هذا التعريف أولا ثم بين أنه يلزم عنه القول بـ (( عزة النصوص ) )لأنه يندر أن تجد لفظا لا يحتمل، ثم بناء على هذا اقترح أن يُعرف النص بأنه ما لا يتطرق إليه التأويل، كي يتسنى له القول بـ (( كثرة النصوص ) )لا (( عزتها ) )وذلك بدخول الألفاظ الظاهرة المحتملة فيها، إذا لم يقم دليل على تأويلها [1] . فكأن الغزالي أورد هذا التعريف فرارا من دعوى (( عزة النصوص ) ).
وعلى الرغم من أنه يبدو أن ما قاله الغزالي في هذا السياق جديدا إلا أنه في واقع الأمر مسبوق من قبل بعض أصوليي الحنفية الذين نصوا على أن مجرد ورود
(1) انظر: الغزالي، المنخول، ص 165.