الاحتمال على اللفظ لا يسلبه النصية. ولكن الفرق بين تعريف هؤلاء للنص وتعريف الغزالي له هو أنهم، وبحسب الإطلاق في كلامهم، لا يقصرون مصطلح النص على اللفظ القاطع وعلى هذا النوع من الألفاظ فقط كما هو حاصل تعريف الغزالي بل يعممونه في كل واضح بحيث يشمل ثلاثة أنواع من الألفاظ القطعي والظني المحتمل الذي لم يقم دليل يدعم ما احتمله، والظني المحتمل الذي قام دليل يدعم ما احتمله. وإليك ما أورده الجصاص في هذا المقام، قال: (( كل ما يتناول عينا مخصوصة بحكمٍ ظاهر المعنى بَيِّن المراد فهو نص ) ). وهذا أعم من أن يكون قطعيا أو ظنيا قام الدليل على تأويله أم لم يقم. ثم قال: (( وما يتناوله العموم [= المحتمِل غير المؤول] فهو نص أيضا، وذلك لأنه لا فرق بين الشخص المعين إذا أُشير إليه بعينه وبين حكمه وبين ما يتناوله العموم؛ إذ كان العموم اسما لجميع ما تناوله وانطوى تحته. والمنصوص عليه ما نُص عليه باسمه. ومن الدليل على ذلك أن أحدا من المسلمين لا يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى قد نَص على تحريم الأم بقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء(23) ] وأن قطع السارق منصوص عليه بقوله تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة (38) ] وكذلك جلد الزاني وإيجاب القصاص على قاتل العمد. وكلٌّ إنما نُصَّ على حكمه بعموم لفظٍ ينتظم ما شمله الاسم من غير إشارة إلى عينٍ مخصوصة. وليس جواز دخول الاستثناء على لفظ العموم، وجواز تخصيصه، بمانع من أن يكون نصا إذا لم تقم دلالة التخصيص، كما أن العدد الذي يتناوله اسم العشرة منصوصٌ عليه بذكر العشرة مع جواز دخول الاستثناء عليها، ولأن المشار إليه بعينه يجوز إدخال الشرط عليه، وتعليقه بحال أخرى، ولم يمنع ذلك أن يكون نصا إذا عَري من شرطٍ أو ذكرِ حال )) [1] . فها أنت ذا ترى أن الجصاص يدلل هاهنا على أن العين المنصوص عليها باسمها كأسماءِ الأعلام: زيد وعمرو، وأسماءِ الأعداد، كخمسة وعشرة، يعتريها الاحتمال كالعام، لذلك فليس من الخطأ تسوية الجميع
(1) الجصاص، الفصول في الأصول، ج 1، ص 59،60.