فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 56

وبهذا نجد أن مصطلح النص أدق في التعبير عن الكتاب والسنة من مصطلح الخطاب، ولذا فنحن نفضله عليه في هذا المجال. ولن نتابع ما قاله الغزالي بعدما عرف النسخ بأنه (( الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم ... ) )، قال: (( وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص [أي: في تعريف النسخ] ليكون شاملا للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل إذ يجوز النسخ بكل ذلك ) ) [1] ، لأنه قاله تقليدا، بل نقلا حرفيا، عن الباقلاني الذي يقْصُر النص ـ كما سنوضحه لاحقا ـ على الدلالة المنطوقة، ويُخرج عنه الدلالة الالتزامية كالفحوى والإشارة والمفهوم المخالف، بخلاف الخطاب. وهو اصطلاحٌ لم يساعده عليه أحد حتى الغزالي نفسه عندما تعرض لتعريف النص، فلا أدري كيف وافقه الغزالي هنا وخالفه هناك؟!!.

الملاحظة الثانية: إبان تعرضهم لتعداد الاصطلاحات التي يتناولها النص، لم يذكر جمهور الأصوليين ـ لا سيما عند التعريف بالنص والظاهر ـ من المتقدمين أو المتأخرين بل حتى المحدثين [2] هذا الاصطلاح. وهذا مستغربٌ جدا. وإن كنت أعزوه إلى شيء فإنما أعزوه إلى تأخر فشوّ استخدام هذا الاصطلاح في الكتابة الأصولية عن باقي الاصطلاحات، كما سنبين لاحقا.

فإن قيل: هذا تعليل لعدم تطرّق المتقدمين للتعريف به لأنهم لم يستخدموه إلا في النادر، فما بال المتأخرين لم يذكروه مع فشوّ استخدامهم إياه في مجاري كلامهم؟

فالجواب هو أن ذلك ـ والله أعلم ـ بسبب طغيان التقليد والنقل عن المتقدمين في تصانيف غالب المتأخرين حتى أنساهم ذلك رصْد تطور المصطلح الذي شاع في كتابتهم هم أنفسهم، فالمقلد أو الناقل يعيش في زمن غير زمنه.

(1) الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 107.

(2) ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك الدكتور محمد أديب صالح في كتابه، الأكثر استقصاء، والأونق عرضا، والأكثر تخصُّصا: تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، وذلك عند تعرضه لبيان معنى النص عند الأصوليين سواء الحنفية أو الجمهور. ومن المفارقة أن النص بهذا الاصطلاح مستخدمٌ في عنوان الكتاب نفسه (تفسير النصوص) ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت