وإن كان يطلق النص على اللفظ القاطع إلا أنه لا يقصره عليه بل يدرج معه الظني أو الظاهر، كما بيَّنا ذلك سابقا [1] .
وعلى أية حال فاشتراط الباقلاني في النص كونه دالا على معناه بطريق النطق لا بطريق الالتزام لم يجد قبولا من أتباعه كإمام الحرمين والغزالي. فقال الإمام رادا على من رفض اعتبار دلالة الفحوى أو مفهوم الموافقة من قبيل النص لأنها دلالة التزامية لا مطابقية كما هو معروف: (( الفحوى لا استقلال لها وإنما هي مقتضى لفظ على نظم ونضد مخصوص. قال تعالى في سياق الأمر بالبر والنهي عن العقوق والاستحثاث على رعاية حقوق الوالدين: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء(23) ] ، فكان سياق الكلام على هذا الوجه مفيدا تحريم الضرب العنيف ناصّا، وهو مُتلقى من نظم مخصوص، فالفحوى إذًا آيلةٌ إلى معنى الألفاظ )) [2] . وقال الغزالي: (( النص ضربان: ضربٌ هو نصٌ بلفظه ومنظومه ... وضربٌ هو نصٌ بفحواه ومفهومه ) ) [3] .
وإذا جاز لنا أن ندلي بدلونا في هذا المقام قلنا: إنه يمكن النظر إلى مسألة دخول الدلالة الالتزامية تحت مسمى النص من جهتين:
إحداهما: جهة الاستساغة اللغوية.
والأخرى: جهة ضبط المصطلح.
فأما من جهة الاستساغة اللغوية فنقول: إنه ينبغي التفريق بين نوعين من أنواع الدلالة الالتزامية القاطعة: المقصودة، وغير المقصودة. فالدلالة الالتزامية القاطعة المقصودة كمفهوم الموافقة تدخل في مفهوم النص. إذ من السائغ لغة وعرفا القول: إن الشارع نصَّ على تحريم إيذاء الوالدين بقوله: {ولا تقل لهما أف} [الإسراء (23) ] . ونصّ على تحريم الاعتداء على مال اليتيم بقوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء (10) ] . أما الدلالة الالتزامية القاطعة غير المقصودة،
(1) انظر: ص 13.
(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 277.
(3) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 335.