فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 56

الباعث الداعي إلى الحكم، وهو وجه المصلحة، وقد تطلق على السبب الموجب للحكم )) [1] .

ولقد كان لهذا التداخل الاصطلاحي أثرٌ كبيرٌ في بروز ظاهرة أخرى هي ظاهرة (( الخلاف اللفظي ) )في كثير من المباحث الأصولية، حيث يثور الجدل ويحتدم النزاع لا على شيء وإنما لأن واحدا من الفريقين المتنازعين أطلق لفظا وأراد به شيئا ففهم الفريق الآخر منه معنى آخر. ولقد نبَّه الغزالي قديما إلى هذه الظاهرة بالقول: (( معظم الأغاليط والاشتباهات ثارت من الشغف بإطلاق ألفاظ دون الوقوف على مداركها ومآخذها ) ) [2] . وقال: (( إنما منشأ الإشكال التخاوضُ في الأمور دون التوافق على حدودٍ معلومة لمقاصد العبارات فيُطلق المطلق عبارة على معنى يقصده، والخصم يفهم منه معنى آخر يستبد هو بالتعبير عنه، فيصير به النزاع ناشبًا قائمًا لا ينفصل أبد الدهر ) ) [3] . وقال ابن حزم: (( الأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد اختلاط أسماء، ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر فيقع البلاء والإشكال. وهذا في الشريعة أضر شيء وأشده هلاكا ) ) [4] .

ومما يلقي شيئا من الضوء على حجم ظاهرة الخلاف اللفظي في تراثنا الأصولي ما قاله د. عبد الكريم النملة في مقدمة المجلد الأول من كتابه الذي خصصه لتتبع هذه الظاهرة - قال: (( وقد بلغ مجموع الخلافات التي درستها في هذا المجلد ـ فيما يخص المقدمات والحكم الشرعي ـ خمسا وخمسين خلافا: منها تسع وأربعون خلافا بان، بعد التدبُّر والتدقيق، أن الخلاف لفظيٌّ لا ثمرة له ) ) [5] .

(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص 537.

(2) الغزالي، شفاء الغليل، ص 420.

(3) الغزالي، شفاء الغليل، ص 588.

(4) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج 8، ص 564.

(5) النملة، الخلاف اللفظي عند الأصوليين، ج 1، ص 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت