فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 372

هذه هي المواقف العظام، من سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، وكذلك هي مواقف ورثته أئمة الإسلام، فكما ورثوا عنه العلم [1] ورثوا عنه الثبات والإقدام.

فثباتهم كثبات الجبال الشامخات الراسخات بلا مبالغة أو تطنيب .. لا يتزحزحون ولا يتأرجحون للترغيب أو الترهيب، ولا يتراجعون القهقرى للتغييب أو التغريب [2] .. كلماتهم لا تكتب بماء الذهب بل بماء العيون، ومقامهم على هام الرأس بل في الجفون .. حبهم في الله واجب، والاقتداء بصالح أعمالهم لا يحجبه حاجب.

لهم المهابة والجلالة والنهى ... وفضائل جلت عن الإحصاء ...

ومداد ما تجري به أقلامهم ... أزكى وأفضل من دم الشهداء [3]

وهاهو قلمي القزم أمام هؤلاء العمالقة، يخط بعض مواقفهم لإتحاف خيرة الرفقة, ليجتهد كل واحد منهم ويجد، ليطال قمم المعالي والمجد:

دَبَبْتُ للمجد والساعون قد بَلَغوا ... جهدَ النفوس وألقوْا دونه الأُزْرا ...

وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهم ... وعَانَقَ المجد مَن أوفى ومَن صَبَرَا ...

لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا [4]

(1) عن أبي الدرداء-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقول: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكنهم ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) أخرجه أحمد في (مسنده) (5/ 196) ، وصححه أحمد شاكر.

(2) "التغييب": أي التغييب في السجون، أو التغييب الإعلامي. و"التغريب": أي النفي عن البلاد والوطن.

(3) من شعر أبي بكر بن دريد [جامع بيان العلم وفضله 1/ 151/رقم:155] وانظر: بعض الآثار التي لها علاقة بالموضوع في (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 150/رقم:153/ 154) تحت عنوان: (تفضيل العلماء على الشهداء) .

(4) انظر: (إنباه الرواة على أنباه النحاة) (3/ 362) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت