فهرس الكتاب
وقد تحيرت في التخير من هاتيك المواقف المعاصرة، فدبجتها ودمجتها وأخرجت منها العصارة، فإذا بها تبهرني عددًا وكثرة!
تكاثرت الظباءُ على خراش ... فما يدري خراش ما يصيدُ!
فأخرت المواقف التي ليس للمرء فيها إلا أن يصبر [1] ، وقدمت ما كان للمرء فيها أن يصبر أو لا يصبر، من جنس موقف يوسف عليه السلام لما لبث في السجن بضع سنين فأتاه حكم الإفراج: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم) [يوسف: 50] ، فاخترت منها أربعة مواقف، تهدي السالك وتستنهض الواقف:
الموقف الأول [2] : موقف الشيخ الأستاذ سيد قطب رحمه الله:
لما أزمع طواغيت مصر وفراعنتها على إعدام سيد قطب رحمه الله شنقًا وعزموا على ذلك، أعطوه فرصة أخيره مراعاة للرأي العام ولعله يبدل أو يغير! فأرسلوا له من يراوده لكي يعتذر للطاغوت، مقابل تخفيف العقوبة عليه، وإخراجه منها بتقرير طبي، فأجابهم بحروفٍ من نور، تشع على مر الدهور، قائلًا:"إن اصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية لتأبى أن تنحني وتكتب اعتذارًا لطاغية".أهـ
الموقف الثاني: موقف شيخنا الدكتور سعيد بن زعير فك الله أسره:
كان صداعًا بالحق قوالًا به، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، حتى ضاق ذرعًا بطواغيت آل سعود في جزيرة العرب، فأودعوه في الزنازن، وأوكلوا الأمر إليه؛ بأن طلبوا منه الاعتذار عما بدر منه، متى ما فعل ذلك فسوف يُخرج من السجن ويُطلق سراحه، وأخذوا يراودونه على ذلك: اليوم بعد اليوم، والأسبوع بعد الأسبوع، والشهر بعد الشهر، والسنة بعد السنة .. حتى أمضى عقدًا من الزمان في زنازنهم ولم يعتذر فأطلق سراحه .. ولما أشاد تلامذته بوقفه هذا بعد هذه السنين، أجابهم بقوله:"إنني جلست في غرفة وصبرت عليها، وهذا"
(1) كالتعذيب بأنواعه من سلخ وقطع وحرق وصعق ... إلخ
(2) ترتيب المواقف حسب التسلسل الزمني.