فهرس الكتاب
الآخرة! فهذه هي الغلظة والشدة على الحقيقة, وإن العرب تقول:"صديقك من صَدَقَك لا من صّدقك!".
وأما ذهاب موسى عليه السلام لفرعون ونصيحته له, فهي على مراحل كما بين الله تعالى ذلك في كتابه, فقال الله تعالى: (فقولا له قولًا ليّنا لعله يتذكر أو يخشى) [طه: 44] .. فبدأ معه بالقول اللين استجابة لأمر الله فقال: (هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى) وأراه الآيات والبينات ..
فلما أظهر فرعون التكذيب والعناد والإصرار على الباطل، قال له موسى كما أخبر تعالى: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني أظنك يا فرعون مثبورا) [الإسراء: 102] .
قال الإمام الطبري رحمه الله:"قال بعضهم: معنى ذلك: إني لأظنك يا فرعون هالكا ... وقال آخرون: معناه: مخبولا لا عقل له".اهـ
بل ويدعو عليهم قائلًا: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) [يونس: 88] .
فاللين -إذن- إنما هو مع الجاهل, لا المكابر والمصر على الباطل! وإن كان فرعون في بداية الأمر قد فسح المجال لموسى عليه السلام ليوصل له دعوته ونصحه, واستمع له ولما جاء به, وهيئ المكان والزمان لذلك, كما أخبر الله عن ذلك فقال: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى(57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا