فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 372

وأوصيكم إخواني ببقية الجماعات السلفية خيرًا، كما أوصي بقية الجماعات السلفية بكم خيرًا، وأقول لكم كما أقول لهم: أليس من أمراء تلكم الجماعات صاحب رأي سديد وعقل فطن، يتأسى ويقتدي بالحسن؟! بلى والله إن ذلك لواقع، ولقد حث عليه الشارع.

قال الحسن بن علي رضي الله عنهما في خبطة الصلح والتنازل عن الإمارة لمعاوية رضي الله عنه:"ما بين جابلص وجابلق [1] رجل جده نبي غيري، وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكنت أحقهم بذاك، ألا إنا قد بايعنا معاوية ولا أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين".اهـ [أخرجه أحمد من طريق ابن سيرين] .

وفي رواية الشعبي رحمه الله أنه قام فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"أما بعد: فإن أكيس الكيس [2] التُّقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية؛ إما كان حقًا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم، أو يكون حقًا كان لامرئ كان أحق به مني ففعلت ذلك (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) ".اهـ [رواه الطبراني، والبيهقي، والحاكم، وابن سعد، وأبو نعيم، وغيرهم] .

ولما قال نفير الحضرمي للحسن بن علي رضي الله عنهما: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة! قال الحسن جوابًا عليه:"كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله".اهـ [البداية والنهاية 11/ 206] .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد رواية الصلح:"منقبة للحسن بن علي، فإنه ترك الملك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى مصلحة الدين ومصلحة الأمة".اهـ [انظر: فتح الباري 13/ 71 - 72] .

ولما كان من المتقرر شرعًا: أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا، لم يذهب ما فعله الحسن سدى، بل أخلفه الله خيرًا وهدى، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في شأن المهدي المنظر:"أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان .. وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف، وهو أن الحسن رضي الله عنه ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق، المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في"

(1) جابلص وجابلق مدينتان؛ أحدهما بالمشرق, والأخرى بالمغرب.

(2) أكيس: أعقل. والكيس: العقل. [لسان العرب 16/ 201] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت