فهرس الكتاب
قال شيخنا العلامة أبو محمد المقدسي فك الله أسره:"قليل هم أولئك الذين يدركون حقيقة منهج هذا الدين العظيم وحجم تكاليفه، فعندما خلق الله الجنة والنار وبعث جبريل ليراهما ورأى الجنة وما فيها من نعيم للوهلة الأولى قال؛ (والله يا رب لم يسمع بها أحد قط إلا دخلها) ! فلما أن رآها بعد ذلك قد حفت بالمكاره، قال؛ (والله يا رب خشيت أن لا يدخلها أحد) ! فالطريق الذي أراده الله أن يوصل إلى الجنة ليس مزروعا بالورود والرياحين، كلا بل هو محفوف بالمكاره والابتلاءات والأذى والدماء، ولو كان أحد يدخل الجنة دون سلوك هذه الطريق لكان أولى الناس به رسل الله وأنبياؤه الذين اصطفاهم الله من خيرة خلقه، فقد أوذوا وشوهوا وكذبوا: (فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) ، وهذه الحقيقة يعرفها كل عاقل درس منهج الأنبياء وتاريخ الدعوات، ولذلك فأول كلمات سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن نبيء من ورقة بن نوفل - وكان قد قرأ الكتب السابقة - كانت؛ (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) ! فالذين يحلمون أن يكونوا من ورثة الأنبياء ثم يبحثون عن رضى الناس أو الحكومات لم يفقهوا حقيقة هذا المنهاج ...".اهـ [مقالة بعنوان؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، جمادى الآخرة 1423هـ]
وأخبث ما يكون الإجرام؛ حين يُعاقَب الموحد بموجب أدائه لواجبات الإسلام! وقيامه بشعائره العظام! وثباته على أصول الدين، ومضيه في الدرب المبين ..
كمثل التوحيد والدعوة إليه، والجهاد والتحريض عليه .. إلخ فقد صارت هذه الأمور، في هذه العصور، عند كثير من الدهماء، منكرًا؛ يُعرض صاحبه للاتهام والازدراء!
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"... وغلب الشرك على أكثرِ النفوس لظهورِ الجهل وخفاء العلم فصار المعروفُ منكرًا، والمنكرُ معروفًا، والسنةُ بدعة، والبدعةُ سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربةُ الإسلام".اهـ [زاد المعاد 3/ 507] .
ولك -أخي القارئ- أن تتلمس ذلك بوضوح، فيما تقوم به محاكم الشرك والصروح، ومن أوضح الأمثلة، على مثل تلك المهزلة؛ محاكمة أسد التوحيد، شيخ التأصيل والتجديد، أبي محمد المقدسي فدته روحي ونفسي ..