فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله منجي المؤمنين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فأذكر جيدًا أنني لما كنت في سجن طواغيت بلدي قبل بضع سنين، قام أجناد الطاغوت بإحضار شيخ ممن له قدم صدق عندهم! حتى يحاورني ويأخذ بيدي إلى منهجه الضال ..
فبينا أنا في زنزانتي الانفرادية، إذ أقبل عليّ ضابط في جهاز الأمن ومعه بعض الأجناد، فنظر إليّ من خلف قضبان الباب، وقال ليّ وهو يدخن الزجائر مفاجئًا لي:"الشيخ عدنان عرعر".. فقلت له:"عرعور وليس عرعر!"، فالتفت إلى من معه وقال لهم:"عرعور؟"، فأجابوه بالإيجاب .. فقال لي:"هل تكفره؟"، فأجبته:"أنا لا أكفر إلا من كفره الله ورسوله!". -أو بنحو هذه العبارة- .. فقال لي:"أتينا به لكي يحاورك ويصلح فكرك"..
فلما أرادوا أن يأخذوني إليه، ظننت أن غرفة الزيارة في السجن كما هي، بلاط قديم مندر، وكراسي بلاستيكية! فلما دخلت تعجبت وظننت أن الغرفة ليست الغرفة! سجاد أحمر، وكراسي من جلد أسود فاخر! فقلت في نفسي: هذا داعية أم وزير؟!
فلما بدأ الحوار، قام العرعور مبادرًا إياي وقبل كل شيء، بقوله متهكمًا:"أبو فلان -هكذا ناداني برفع (أبو) لا نصبه! - كم عمرك؟!".. [1] فقلت له:"ثلاث وعشرين سنة"، فقال:"لا، ستين!".. فأعاد السؤال، فأعدت الجواب، ثلاثًا، فقال في الثالثة:"ثلاث وعشرين وبتفتي الناس؟!".. قال الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) ؟! [الزخرف: 32] .
هذه هي حجة هؤلاء القوم وبضاعتهم المزجاة، وهذا هو مبلغ علمهم في الذب عن المفسدين والطغاة، يُقومون الناس بأعمارهم، ويزنون حلوم الرجال بعدد سني حياتهم!
ولقد نسوا أو تناسوا أن الإفتاء والتدريس لا يحصر في عدد من السنين، ولم يشترط العلماء للاجتهاد بلوغ الخمسين أو الستين! بل من توفرت فيه شروط الاجتهاد، وشهد له
(1) روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أن السؤال عن العمر من قلة الأدب!