فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 372

عدد من أهل العلم والرشاد، فهو هو المفتي وإن صغرت سنه، فليس السن بمقياس على سعة علمه .. [1]

جاء وفد المهنئين لعمر بن عبد العزيز من أهل الحجاز، فقدموا أصغرهم، فلما بدأ بالكلام، قال له عمر:"مهلًا يا غلام ليتكلم من هو أسن منك". فقال الغلام:"مهلًا يا أمير المؤمنين، المرؤ بأصغريه؛ قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًا، وقلبًا حافظًا، فقد استجاد له الحلية، [2] يا أمير المؤمنين لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أسن منك!"-أي أحق بمجلسك هذا ممن هو أكبر منك سنًا- .. فقال له عمر: تحدث أيها الغلام .. فتحدث بكلام فصل جزل، فلما انتهى من حديثه، نظر عمر في سن الغلام فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة، فأنشأ يقول:

تعلم فليس المرء يولد عالمًا ... وليس أخو علم كمن هو جاهلُ ...

وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغيرٌ إذا التفت عليه المحافلُ [3]

قال الله تعالى: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ(60 ) ) [الأنبياء] .

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله:"الفتى: الذكر الذي قوي شبابه".اهـ [التحرير والتنوير 17/ 72] .

(يذكرهم) "قال الفراء: أي: يَعيبهم؛ تقول للرجل: لئن ذكرتني لتندمنَّ، تريد: بسوء".اهـ [انظر: زاد المسير في علم التفسير 5/ 265] .

فلم تكن فتوة إبراهيم عليه السلام مانعًا يمنعه من الصدع بالحق المبين، ولا حاجزًا دون الصدح بالتوحيد والدين.

(1) أما ما ورد عن بعض السلف من نهيهم عن أخذ العلم عن الأصاغر, فإنما يعنون بالأصاغر: أهل البدع, كما ذكر ذلك الإمام ابن المبارك رحمه الله وغيره.

(2) استجاد له الحلية: استحق أن يتكلم.

(3) انظر: مروج الذهب 3/ 197, والنموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر بن عبد العزيز ص98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت