ومن المفيد أن نذكر في هذا المقام أن هذه المناسبة بين العقل والنص على النحو المبين سابقا يظهر مدى تهافت الاتجاهات الباطنية في تفسير النصوص الشرعية, حيث تذهب هذه الاتجاهات _من حيث الجملة_ إلى أن النصوص الشرعية لها معان باطنة لا يدركها إلا الراسخون في العلم, ومعان ظاهرة للعامة, وأن مقصودها الأصلي هو النوع الأول من المعاني, وأن النصوص أنزلت بأسلوب ترميزي, ظاهره رموز غير مقصودة, وباطنه مرموز إليه هو المقصود, ثم تنظر فتجد هذا المعنى الباطني أبعد ما يكون عن لغة العرب أو سياق النص أو مناسبة النزول, وجميع الأمور الكاشفة عن المعنى.
والحقيقة أن كل جماعة تتخذ منهجا في تفسير النصوص الشرعية لا يُلتزم فيه بقواعد اللغة العربية تعتبر من هذا الاتجاه, وإن اتخذت أسماء أخرى غير الباطنية. وربما أُلحقت بها كثير من الدعوات التي تدعو إلى قراءة جديدة للنصوص الشرعية, وبخاصة كتاب الله عزّ وجلّ؛ بحيث يطلق العِنان لقارئ النص في تفسيره دون الاحتكام إلى اللغة التي جاء بها, ولا اعتبار للسنة المبينة لها, ولا لأصول التفسير وقواعده التي أجمع عليها علماء التفسير والأصول. وينتهي الأمر بهذه الدعوات إلى تحريف الدين وتعطيل النصوص واتباع الهوى في تفسيرها وتطويعها للواقع المصنوع, مهما تعارض مع مبادئ الإسلام. وقد يغلّفون دعواتهم المشبوهة بغلاف العلم والعقل, مع أن العقل المجرد الموضوعي هو الذي يقضي بأن نصوصا جاءت من مصدرها بلغة معينة لا يجوز تفسيرها بمعزل عن قواعد تلك اللغة. وهذا أمر بدهي فطري تعد مخالفته معبرة إما عن جنون وإما عن مكر وخداع يراد به صرف السامع عن مراد المتكلم.
وجميع هذه الدعوات إنما تعني في حقيقة الأمر عدم وجود مناسبة بين نصوص الشرع وغريزة العقل التي تعتمد عليها النفس في معرفة مراد الشارع الحكيم, وتعني أيضا أن تلك النصوص إنما جاءت أعلى في مستواها الحقيقي من عقول الناس وعقول علمائهم الربانيين. بل كأنهم يزعمون أنها أعلى من مستوى صاحب الرسالة الذي جاء ليبين للناس ما نزل إليهم من الذكر الحكيم, ومن مستوى صحابته الكرام رضوان الله عليهم، ومن مستوى علماء السلف الصالح؛ لأن من ذُكروا جميعا لم يتمكنوا بحسب زعمهم من فك رموز الشريعة, واقتصرت هذه القدرة على شرذمة تظهر بين حين وحين, وتدعي أن عقول أفرادها وقلوبهم هي التي تفهم أسرار القرآن والشريعة وحقائقها, وأنهم خاضوا في بحارها, بينما وقف على شطآنها عاجزين أولئك الذين قال فيهم رب السموات