المطلب السابع
علاقة العقل بالنص الشرعي من حيث الحاكمية
عندما يكون النص ثابتا في نسبته إلى الشرع فإنه يجب أن يكون الحكم له على العقل وعلى كل شيء سواه؛ وهذا ثابت عقلا وشرعا, فأما شرعا فإن نصوصا قطعية في ثبوتها ودلالتها قد جاءت مقررة بقطع وحسم أن الحكم دائما لله عزّ وجلّ؛ والأدلة الشرعية على هذه الحقيقة يضيق عنها هذا المقام, وإنما نُذكر ببعض الآيات الكريمات الجازمة بها, مثل قوله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) النساء/105, وقوله: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) النور/51, وقوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) النساء/65, وقوله: (إنِ الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين) الأنعام/57, وغير ذلك كثير.
ومن الناحية العقلية, فإن العقل إذا أدرك وحدانية الله تعالى في الربوبية والألوهية والصفات وصِدْقَ الرسول صلى الله عليه وسلم أدرك مع ذلك وجوب التسليم للرب جلّ وعلا فيما يخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ويأمر وينهى, ويجعل أحكامه فوق كل حكم أو اقتراح؛ وإلا فإن القول بحاكمية العقل في الوقت الذي يُبصر ضرورة الإقرار بالحاكمية للنص الشرعي يوقعه في نوع من التناقض لا يقع فيه إلا نفسٌ أصيبت غريزة العقل فيها بآفة, يبرأ منها كل عقل سليم.
وحقيقة حاكمية النص الشرعي ومحكومية العقل والنفس الذي هو فيها يؤيدها بوضوح ما سبق ذكره من وظيفة العقل, وأنها وظيفة إدراك للحقائق الموجودة المستقرة في النص الشرعي المقروء وموجودات الكون المشهودة, وأن النص خطاب الشرع, والعقل يترجم للنفس المخاطبة بالتزام الشرع, والإلزام الذي هو حقيقة الحاكمية إنما يكون لصاحب الشرع, وهو صاحب الخطاب أو النص. والالتزام الذي هو حقيقة المحكومية إنما يكون للمخاطب, وهو النفس البشرية, وغريزة العقل ووظيفتها إدراك حقيقة المطلوب المضمّن في خطاب الشرع.