فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 48

المطلب الثامن

علاقة العقل بالنص الشرعي في مجال الإرادة والتنفيذ

مقصود الشارع من نصوصه في المكلفين من العباد هو أن يقوموا بتنفيذ مضامينها؛ سواء أكان هذا التنفيذ متعلقا بأعمال القلوب الباطنة أم كان سلوكا يظهر في الخارج. والتنفيذ المقصود يكون في الأعمال الاختيارية, حيث تتمكن النفس من اختيار الإقدام أو الإحجام؛ فأول خطوات التنفيذ المباشر يبدأ من الإرادة النفسية. والتساؤل الذي يرد هو عن موقع العقل (غريزة الرؤية القلبية للمعاني) في مجال الإرادة والتنفيذ بعدها.

وتدقيق النظر يُري أن العقل له موقع فاعل سابق على الإرادة ومؤثر فيها, وأن له دورا آخر منفعلا بعد استعمال النفس لغريزة الإرادة, فأما الموقع الأول المؤثر في الإرادة فهو ذات موقعه في تحصيل علوم النفس عندما تستعمله لإدراك المعاني والحقائق, حيث تستقبلها النفس بعد ذلك وتحفظها في صورة علوم. فإذا استقر العلم في النفس أحدث حالة فيها من لذة أو عكسها أو غير ذلك. وهذه غريزة أخرى في النفس يعزوها علماء النفس الحديث إلى جهاز في النفس يسمونه جهاز المتعة أو الجهاز الإمتاعي, ويقصدون المتعة الإيجابية بأنواعها, وهي اللذة وما يرجع إليها, أو السلبية وهي الألم بأنواعه.

ويرى ابن القيم أن الحالة التي يُحدثها العلم الوارد إلى النفس تورث فيها إما المحبة أو عكسها, فإذا كان العلم الجديد يكشف عن شيء ملائم للنفس تحدث المحبة, وإن كشف عن مناف لطبيعة النفس أحدث بغضا وكرها. فإن حصل ذلك تحركت النفس بغريزة الإرادة لتحصيل ما تقتضيه المحبة أو لدفع ما يقتضيه المنافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت