والأرض (رضي الله عنهم ورضوا عنه) !؛ وهذا المنهج الذي اتبعَته تلك الطوائف أكثر المناهج شططا وإيغالا في البعد عن المنهج السليم في التعامل مع النصوص الشرعية.
المطلب الرابع
علاقة العقل بالنص الشرعي من حيث المقصد
تقدم أن المقصد الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو أن يعرف الإنسان ربه, ويعبده وحده, وأن النصوص نزلت تبين للناس كيف يحققون هذا المقصد, وتحمل البرامج الربانية لهم ليطبقوها على أنفسهم.
ولما كان هذا المقصود هو موضوع الابتلاء, كما قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) الملك/2, لم يجعل وصول الهدى إلى نفوسهم عملا اضطراريا لا إرادة لهم فيه, ولو شاء سبحانه لفعل ذلك, فألقى هداه في قلوبهم رأسا من غير اجتهاد في تحصيله؛ كما قال تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) الأنعام/35. ولكن النصوص متضافرة في دلالتها القطعية على أن الإنسان خلق ليبتلى؛ فوهبه الله القدرة على الاختيار المتمثلة في غريزة الإرادة المركوزة في الروح. ثم منّ عليه بأعظم نعمة, وهي الهدى, وهو معان وحقائق جاء في نصوص إخبارية وإنشائية. وأنعم عليه بنعمة أخرى لجعل النعمة الأولى فاعلة ومنتجة, وهي نعمة العقل, فالنصوص الشرعية تبين طرق السعادة للنفس الإنسانية, والنعمة الثانية وهي غريزة العقل أو سمها غريزة رؤية القلب للهدى الموجود في النصوص خلقت في الإنسان ليدرك الأولى. وهكذا يشترك العقل مع النص في استهداف غاية واحدة هي الوصول إلى مقام العبودية لله تعالى, ويظهر هذا النظر علاقة توافق تامة بين العقل والنص الشرعي من حيث الغاية والمقصد.