وأما ما ورد في بعض المعاجم من أن العقل هو القلب, والقلب هو العقل, فلأن القلب هو محل العقل؛ فعُبّر بالقلب عن العقل؛ فهو إطلاق مجازي من باب إطلاق المحل وإرادة الحالّ.
والأصل في العقل أنه مصدر عَقَلَ من باب ضرب؛ فيقال: عَقَل هذا الشيء عقلا؛ ثم صار يطلق على ما تقدم ذكره من المعاني. وإذا كان العقل مصدرا أصليا في لغة العرب؛ فإن ذلك يدل على أنهم يعتبرونه شيئا معنويا وليس ذاتا أو جوهرا أو جسما؛ إذ المصدر عندهم اسم لمعنى, وليس اسما لذات, ولا يطلق إلا على شيئ معنوي, ولا يقع في دائرة المحسوس؛ وهو في ذلك كالعلم والفهم.
المطلب الثاني
مفهوم العقل عند العلماء
لقد كثر الاختلاف بين العلماء في تعريف العقل, حتى قيل بحسب ما ذكر الزركشي (إن فيه ألف قول) . وهذا في زمانه, ولا شك أن ذلك الاختلاف قد زاد في زماننا؛ لأن معرفة ماهية العقل لدى علماء النفس والطب العقلي ما زالت بعيدة المنال, ونشأت نظريات وفرضيات كثيرة حوله أضيفت إلى ذلك الخلاف القديم.
وإذا كان تفصيل ما قيل في ماهية العقل وتعريفه لا يتسع له بحث واحد, فإنه لا بد من بيان آراء علماء المسلمين في هذا الموضوع, ولو بإيجاز, بحيث لا يكون مُخلًا, ويكون كافيًا لفهم علاقة العقل بالنص الشرعي, وهو موضوع الجزء الثاني من هذا البحث.
ويمكن تلخيص تلك الآراء بحصرها في اتجاهات ثلاثة, ونجعلها في فروع ثلاثة:-