المطلب الحادي عشر
علاقات العقول الشخصية بالنصوص الشرعية
جميع ما سبق ذكره من مقامات العقل من النص الشرعي وعلاقاته به, إنما يقوم فيها العقل المجرد كما خلقه وأمره ربه تبارك وتعالى؛ ولا نعني هنا بالعقل المجرد ما تصوره فلاسفة الإغريق ولا تلامذتهم من فلاسفة المسلمين, والذي هو عندهم جوهر بسيط وذات مستقلة لا يدرك إلا المعاني الكلية والجواهر المجردة. وإنما نقصد به غريزة العقل التي غرزها الباري في النفس الإنسانية قبل أن تتلوث بمعطيات لا تمتّ إلى العقل بصلة, وإنما تَردُها من مصادر شتى داخلية في النفس ذاتها, وخارجية تنتقل إليها بالحس والتعلم والمحاكاة. وهو العقل الذي قُصد به مساعدة النفس التي غُرز فيها على تحقيق المقصد الرباني من خلقها؛ بإدراك هديه _سبحانه_ الكامن في النص الشرعي, وفي مبتدعاته الكونية؛ لتصل النفس إلى مقام العبودية الحقة لخالقها بالتزام ذلك الهدى.
لكن لا بد من ملاحظة أن التعامل مع النصوص الشرعية إنما يكون من العقول الشخصية؛ أعني عقل فلان وعقل فلان ... الخ, فهل يكون تعامل الأشخاص بغرائزهم العقلية الخاصة بهم على نفس المستوى من تلك المقامات التي أشرنا إليها في المطالب السابقة؟
والجواب هو النفي قطعا؛ وذلك أن عمل العقل يتأثر بجملة من المؤثرات بعضها يُقربه من خصائص العقل الموضوعي الذي أشرنا إليه في مطلع هذا المطلب، وبعضها يبعده عن تلك الخصائص بدرجات متفاوتة, أشدها ذلك النوع من المؤثرات التي تجعل مسار العقل في عمله معاكسا ومناقضا لما ذكرنا من العلاقات التي يجب أن تكون بينه وبين النصوص الشرعية؛ فتنقلب علاقة المناسبة بين الاثنين إلى نقيضها, ويقع الاختلاف بينهما في الغاية والمقصد, وقد يصل إلى حد التناقض؛ فإذا كانت غاية النص وضع الإنسان في مقام العبودية لله عز وجل؛ فإن هذا العقل يغدو خادما للنفس التي وقعت فريسة لتلك المؤثرات السلبية؛ فتستعين به لإبعادها عن ذلك المقام الشريف وإبعاد غيرها من النفوس الأخرى عنه, وهو معنى الصد عن سبيل الله تعالى.