ومن أهم المؤثرات السلبية في عمل العقل وعلاقاته بالنص ما يلي:
أولا: عدم كفاية المخزون العلمي في النفس الذي يلزم في التعامل السليم مع النص الشرعي؛ فإن كان ناقصا وغير كاف كانت رؤية النفس بغير غريزة العقل مشوشة, ويتناسب التشويش على تلك الرؤية طردا مع نقص كمية المخزون العلمي المناسب للموضوع الذي تريد النفس إعطاء حكم فيه. ومن الواضح أن نقص ذلك المخزون إلى درجة الجهل الكامل يورِّث عمىً في النفس؛ لعدم قدرة عقلها على إدراك المعاني مع غياب العلوم المناسبة؛ وذلك أن التفكير لا يمكن للنفس إجراءه إلا باستحضار العلوم المناسبة والكافية, ثم النظر فيها بوساطة غريزة العقل لاستخراج النتائج السليمة, وعلوم جديدة.
وهذا يُظهر مدى خطورة إقدام أشخاص جاهلين بالأصول العلمية الشرعية على التعامل مع نصوص القرآن والسنة, والاستنباط منها بخواطرهم وأوهامهم وتخيلاتهم؛ مما يوقعهم في تحريف تلك النصوص عن بعض مواضعها, وهم يشعرون أو لا يشعرون.
ثانيا: نوعية القناعات الأصلية والاعتقادات الأساسية المختزنة في النفس؛ ونعني بها القواعد والبرامج المتجذرة فيها, والتي تستدعيها عند إرادتها القيام بأي نشاط تقويما كان أو تفسيرا أو تخطيطا, وتستعملها في إدارة غرائزها كلها من تفكير أو حفظ أو تذكر أو تخيل أو تصور أو تعقل. ومعظم هذه الأصول يكتسب بالتعلم والتربية بروافدها الكثيرة, وتختلف عند الأشخاص رسوخا في النفس وثباتا واستقرارا باختلاف تلك الروافد, وكثرة استدعائها, وتكرره, واعتبارها في عمليات النفس الكثيرة.
ويمكنك أن تتصور الفرق بين من كان منطلقه من قاعدة الإيمان بالله ورسوله, وبين من كان منطلقه من الكفر والإلحاد, والفرق بين من كان منطلقه من قاعدة (والآخرة خير وأبقى) وبين من منطلقًا في معظم تفكيره وتصرفاته من تفضيل الدنيا على الآخرة, أو إنكار الثانية من أصلها؛ كالذي أشار إليه الباري عزّ وجلّ في قوله: (فأعرضْ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) النجم/29, ثم انظر إلى مطلع الآية التالية (ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) النجم/30؛ حيث يشير سبحانه إلى اتخاذهم حب الدنيا قاعدة في نفوسهم ينطلقون منها في كل تصرف نفسيٍّ أو عمليٍّ.