والناس في هذا الأمر أصناف كثيرة, ويختلف تعاملهم مع نصوص الشرع تفسيرا والتزاما بمتطلباتها باختلاف تلك الأصول التي تجذرت في نفوسهم؛ فانظر مثلا إلى تفسير أصحاب القواعد الإيمانية الراسخة, وتفسير أهل الدنيا لقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) البقرة/75, وما جاء في الربا من نصوص أخرى؛ حتى كانت شبهة الربا عند الصنف الأول مثل الربا, بل اعتبروها ربا, فرأوها من أكبر الكبائر وأشد المصائب. بينما فسرها الصنف الآخر بتفسيرات تتيح لهم الانغماس فيما اشتهت نفوسهم من التعاملات الربوية.
ثالثا: مخزون الهوى الذي استقر في النفس, من حيث كمه ونوعه وشدته. وشعب الهوى كثيرة جدا؛ منها الكبر والغرور والحسد والحقد وشهوة الرياسة والسلطان, وشهوات الفرج والبطن واللسان, وحب المال, ومحبة الأهل والأقارب والعشيرة إلى حد المبالغة, وغير ذلك.
والناس إزاء تأثير الهوى على عقولهم درجات, أشدها من استحكم الهوى في نفسه إلى درجة أنها تحكّمه في غريزة الرؤية العقلية؛ حتى يغدو العقل خادما لتلك النفس في تحصيل شهواتها؛ إذ للنفس غرائز كثيرة _كما ذكرنا_ غير غريزة العقل, ومنها غريزة الإرادة, والنفس تتحكم في غرائزها بإرادتها؛ فتغدو غرائز العقل والتفكير والحفظ والتخيل والتصور وغيرها موجهة بتوجيه النفس لها, فإن كانت ممتلئة بالهوى إلى تلك الدرجة التي ذكرناها, وظفت غرائزها كلها في خدمة أهوائها وشهواتها؛ يقول ابن القيم مشيرا إلى هذه الحقيقة (فإذا بلغ حدَّ الكِبْر, وضعفت بصيرته ووهنت قواه, وقد أوجبت له تلك الأعمال قوة في غيّه, وضعفا في إيمانه, صارت كالملَكَة له, بحيث لا يتمكن من تركها؛ فإن كثرة المزاولات تعطي الملكات؛ فتبقى للنفس هيئة راسخة وملكة ثابتة في الغي والمعاصي, وكلما صدر منه واحد منها أثَّر أثرا زائدا على أثر ما قبله, فيقوى الأثران, وهلمّ جرّا ... ) . ويشير القرآن إلى هذا الصنف من الناس بقوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا) الفرقان/43. فهو عبد لهواه, والعبد يسلك كل سبيل لإرضاء سيده.
ومن الناس صنف آخر استحكم فيه الهوى؛ بحيث لا يَعرض الأمور على غريزة العقل في نفسه, ويجعل الطاعة لشهواته رأسا, فهو أشبه بالحيوانات التي لا تسوقها سوى غرائزها الحيوانية. وأما الصنف الأول فهم أضل من الحيوانات؛ لأنها فئة عبّدت غريزة