العقل فيها لهواها, وأما الحيوان فليس له عقل يدرك المعاني والحقائق ويخطط الخطط المسبقة لتنفيذ ما تقتضيه غرائزه؛ فكان أحسن حالا من ذلك الصنف من الناس.
رابعا: ومن المؤثرات السلبية على النفس وعقلها عدو سُلّط عليها للابتلاء, واستخراج ما في الإنسان من طاعة أو معصية؛ وهذا العدو هو الشيطان الذي نذر نفسه من أول الأمر لمحاربة الإنسان, وصده عن سبيل الله فقال كما أخبر عنه خالقه: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم, ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم, ولا تجد أكثرهم شاكرين) الأعراف/16, 17.
والذين يؤمنون بالقرآن يؤمنون بكل ما جاء فيه؛ فيؤمنون بأن هنالك شيطانا يوسوس للعبد ويثير في نفسه الريب والشكوك والشبهات, ويزين له الباطل والأهواء والشهوات. وقد ذُكر الشيطان في كتاب الله كثيرا, تحذيرا منه وحثا على جهاده وبيانا لأساليب غوايته؛ فقد جاء بصيغة المفرد في سبعين آية مكية ومدنية, وبصيغة الجمع في ثماني عشرة آية, معظمها مكي.
وعلى أية حال فإن أكثر مداخل الشيطان إلى نفس الإنسان تكون من الثغرات التي تحدثها المؤثرات السلبية السابقة الذكر؛ فيدخل من أبواب الجهل والهوى والغرور والكبر وغير ذلك.
هذا وليس القصد من الكلام في هذا المطلب بيان أمراض النفوس وآفاتها, لكن مغزاه يتلخص في تأكيد أمرين:
الأول: أن العلاقات السوية بين العقل والنص الشرعي, والتي ذكرناها في المطالب السابقة, لا تكون لكل عقل شخصي, وإنما تكون لعقل في نفس تطهرت _ولو على سبيل المقاربة_ من تلك المؤثرات السلبية, والأمراض التي ترد على النفوس.
والمنصف المطلع على أحوال الصحابة الكرام, والسلف الصالح, والعلماء الربانيين الذين اتبعوهم بإحسان, هم الذين تميزوا بطهارة النفوس والقلوب من تلك الأمراض والآفات, وهم أقرب الخلق من الإنس والجن للتوفّر على تلك العلاقات الفطرية بين عقولهم ونصوص الشرع الحنيف, حيث ملأوا قلوبهم بالعلم النافع من مصادره الحقيقية, وطهروها من الأهواء والشهوات, بل صاروا أكثر حبا للحقائق العالية من حب أهل الدنيا لمصالحهم وشهواتهم؛ فهؤلاء أجدر الناس بأن يُرجع إليهم في تفسير نصوص