المطلب الثالث
علاقة العقل بالنص من حيث الماهية
قد يبدو لأول وهلة عدم وجود علاقة للعقل بالنص الشرعي من حيث الماهية, لأن الأول غريزة مخلوقة في ذات روحية مخلوقة, والثاني كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم, ولا يظهر علاقة في الماهية بين وحي منزل وغريزة مخلوقة, وإن وجد بينهما علاقة في غير الماهية.
ولكن النظر الدقيق المشفوع بتفكير عميق يكشف عن علاقة بين ماهيتيهما هي علاقة المناسبة, أعني مناسبة غريزة العقل للنص الشرعي قرآنا كان أو سنة.
وبيان ذلك أن النصوص الشرعية جعلها الله تعالى أوعية لمعان وحقائق, إذا أُشْرِبها مخلوق من مخلوقات الله عزّ وجلّ ارتفع إلى أسمى مكانة, وكان له خير مصير, وعندما خلق الله عزّ وجلّ الإنسان وصوره بروحه وجسده جعل في روحه غريزة تمكنه من إدراك ذلك الهدى الربانيّ المضمّن في النصوص, هي غريزة العقل, ولو أنه لم يخلق فيه هذه الغريزة ونزلت النصوص لم يكن الإنسان قادرا على إدراك ذلك الهدى, ولا قادرا على تمثله والتزامه, وكان تكليفه إذ ذاك بالعبودية للربّ جلّ وعلا عبثا يتنزه عنه سبحانه وتعالى؛ فكان خلق غريزة العقل في الإنسان مناسبا تماما للنص الشرعي. وجُعلت هذه المناسبة لتمكين الإنسان من اختيار الوضع الذي يرضاه له الله عزّ وجلّ, ويسعده في الدارين, ويسكنه جنة الخلد بعد اختياره لذلك الوضع بالرغم من قدرته على اختيار وضع آخر.
ويمكن توضيح هذه العلاقة بين العقل والنص الشرعي _أعني المناسبة_ بمناسبة الرئة, بما جعل فيها من غريزة استقبال الهواء الذي جعلت في حياة الجسد الإنساني؛ فمهما وجد الهواء بما فيه من الأكسجين ولم يوجد في الإنسان من الأعضاء والغرائز ما يأخذ الهواء, لم يكن خلقه مفيدا له.
كذلك لو وجدت الرئتان ولم يكن هواء فيه أكسجين, لم يكن وجودهما مجديا؛ فكان التناسب بينهما لقيام الحياة في الإنسان. وليس هناك من فرق مؤثر بين أطراف المشبه والمشبه به إلا من جهة كونهما مخلوقين في الثاني, وكون أحدهما غير مخلوق في الأول, مما يجعل المناسبة تقوم في المشبه من الطرف المخلوق دون المساس بثبات الطرف الآخر. وهذا لا أثر له في صلاحية التمثيل المذكور لتوضيح معنى مناسبة العقل للنص الشرعي من حيث الماهية.